ملفات رمال سياسية
كاليدونيا الجديدة.. مأساة "المنفيين" الجزائريين في سجن المحيط الهادئ (1871-2025)
تقع كاليدونيا الجديدة، التابعة لفرنسا، في جنوب غرب المحيط الهادئ، على بعد أكثر من 22 ألف كيلومتر من الجزائر العاصمة. بالنسبة للكثيرين، هي مجرد أرخبيل استوائي، لكن بالنسبة للذاكرة الجزائرية، تمثل هذه الجزر واحدة من أبشع صفحات العقاب الاستعماري: منفى الأجداد. هنا، نُفي أكثر من 2100 جزائري بين عامي 1864 و1921، غالبيتهم العظمى من القادة والمقاتلين الذين شاركوا في ثورات المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، لتصبح كاليدونيا الجديدة، أو "كالادون" كما نطقها المنفيون، "مقبرة حية" لرجال أرادوا الحرية.
جذور المأساة: ثورة المقراني وفتوى الشيخ الحداد (1871)
ترتبط موجة النفي الكبرى إلى كاليدونيا الجديدة ارتباطاً وثيقاً بـ ثورة المقراني والشيخ الحداد في عام 1871، وهي إحدى أوسع وأقوى المقاومات الشعبية في تاريخ الجزائر. بعد القضاء على الثورة واستشهاد زعيمها الشيخ المقراني واعتقال الشيخ محمد أمزيان الحداد، قررت السلطات الاستعمارية الفرنسية تطبيق عقوبة جماعية غير مسبوقة: الإبعاد القسري إلى مستعمرة بعيدة يستحيل العودة منها.
- البداية: بدأت أولى عمليات النفي بعد الثورة، حيث حُكم على المئات من القادة البارزين، مثل أبو مزراق المقراني (شقيق الزعيم الشهيد) ومحمد وعزيز (نجلي الشيخ الحداد)، بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى النفي إلى كاليدونيا الجديدة.
- الإجمالي: في المجموع، نقلت فرنسا ما يقرب من 2166 منفيًا من شمال أفريقيا (غالبيتهم الساحقة من الجزائر) إلى كاليدونيا بين 1864 و1921، عبر 42 قافلة بحرية.
- المنفيون السياسيون: شكل المنفيون السياسيون حوالي 180 رجلاً، وكانوا يُصنفون ضمن عقوبة "الترحيل" (Déportation)، بينما نُفي آخرون ضمن فئة "المذنبين" أو "معاودي الإجرام".
🚢 "سجن المحيط": رحلة الـ 30 ألف كيلومتر وظروف البؤس
لم تكن عقوبة النفي مجرد إبعاد جغرافي، بل كانت بمثابة إعدام بطيء. استغرقت الرحلة على متن المراكب الشراعية المخصصة لنقل السجناء ما بين 140 إلى 150 يومًا، قطعوا خلالها مسافة تزيد عن 30 ألف كيلومتر. كانت الظروف على متن السفن غير إنسانية، حيث توفي العشرات من المنفيين أثناء الرحلة أو فور وصولهم نتيجة الأمراض والجوع وسوء المعاملة.
يُشهد تاريخياً أن الفرنسيين أصدروا قوانين تقضي ببقاء أي محكوم بأكثر من سبع سنوات في كاليدونيا مدى الحياة، مما جعل هذا النفي إبعاداً أبدياً ومُنع عليهم لم شملهم العائلي، على عكس المستوطنين الفرنسيين الآخرين.
عند وصولهم، أُجبر المنفيون على العمل في ظروف قاسية لتطوير المستعمرة الجديدة، وخاصة في منطقة بوراي (Bourail). في مفارقة تاريخية مأساوية، تحول هؤلاء الذين كانوا مُستعمَرين ومُبعَدَين من أرضهم في الجزائر، إلى مُستعمِرين رغم إرادتهم في كاليدونيا، حيث سُلّمت لهم أراضٍ كانت قد صُودرت من السكان الأصليين (شعب الكاناك).
🌴 المقبرة العربية و "دار الحاج": إرث الهوية المنسي
رغم مرور قرن ونصف، لا يزال الوجود الجزائري قائماً بقوة في كاليدونيا الجديدة، وخاصة في "بوراي"، حيث أسس المنفيون مجتمعهم الصغير الذي حافظ على بعض الطقوس الثقافية والدينية. يُعرف هذا المجتمع اليوم باسم "العرب الكاليدونيون" (Arabo-Calédoniens).
- النخيل رمز البقاء: زرع الأجداد أمام منازلهم أشجار النخيل، التي كانت رمزاً للوطن الأم (الجزائر)، وعلامة مرجعية لهويتهم العربية والإسلامية في قلب المحيط الهادئ.
- المقبرة العربية: تُعد المقبرة العربية في بوراي معلماً تاريخياً وشاهداً لا يُمحى على وجودهم، وهي مركز لحماية ذاكرة "المنفيين".
- الشواهد الحية: من أبرز أحفادهم الطيب عايفة، الذي أصبح عمدة لبلدية بوراي لمدة 30 عاماً، وعبّر عن فخره بـ "جزائريته" و"كاليدونيته"، واصفاً انتخابه بأنه "انتقام من التاريخ".
ويُقدر عدد أحفاد الجزائريين اليوم بنحو 15 ألفاً إلى 20 ألف نسمة، يحملون الجنسية الفرنسية بحكم الواقع، لكنهم ما زالوا يحتفظون بعلاقات روحية وثقافية مع الجزائر.
🏛️ تحديات الحاضر ومحاولات ربط الأجيال
يعيش أحفاد المنفيين اليوم تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على هويتهم المزدوجة والمشاركة في مستقبل كاليدونيا الجديدة. في ظل الدعوات المتصاعدة للاستقلال في الأرخبيل، يجد المجتمع الجزائري نفسه شريكاً في عملية إنهاء الاستعمار، متضامناً في كثير من الأحيان مع السكان الأصليين (الكاناك) ضد الإدارة الفرنسية.
عملت الحكومة الجزائرية، عبر وزارة المجاهدين والشؤون الدينية، على تنظيم زيارات دورية لأحفاد المنفيين (آخرها في نوفمبر 2011) للربط بين الأجيال الشابة والوطن الأم، ومحاولة إنهاء "الألم الصامت" الذي عانت منه الأجيال الأولى لعدم القدرة على العودة والموت في أرض الجزائر.
خلاصة رمال سياسية: قصة كاليدونيا الجديدة ليست مجرد حكاية نفي قديمة، بل هي دليل على استمرار المقاومة الجزائرية عبر الأجيال، حتى على بعد آلاف الأميال. إنها شهادة حية على إصرار شعب على الاحتفاظ بجذوره في مواجهة الإبادة الثقافية والسياسية، وتؤكد أن ذاكرة الأمة لا تسقط بالتقادم.

