مقدمة: في توقيت مفصلي يشهده نزاع الصحراء الغربية، اختتمت الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو دورتها الثامنة برئاسة الرئيس إبراهيم غالي. الاجتماع لم يكن روتينياً، بل أسس لمرحلة "كسر العظم" في العام 2026، مستنداً إلى معطيات ميدانية وقانونية جديدة. مدونة "رمال سياسية" تنشر النص الكامل للبيان الختامي، وتتبعه بقراءة تحليلية معمقة لما بين السطور.
الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب
الأمانة الوطنية
الدورة العادية الثامنة
البيــــــــــــــــــــــــان الختامي
التاريخ: 09 نوفمبر 2025
برئاسة الأخ إبراهيم غالي، الأمين العام للجبهة، رئيس الجمهورية، عقدت الأمانة الوطنية للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب دورتها العادية الثامنة يومي 08 و09 نوفمبر 2025.
وعكفت الأمانة الوطنية على تقييم الفترة منذ الدورة السابعة، في مختلف واجهات الفعل الوطني، بعد الاستماع إلى تقرير مكتبها الدائم وعروض تكميلية حول آخر تطورات القضية الوطنية والأوضاع الجهوية والدولية.
الأمانة الوطنية سجلت بارتياح وتقدير ما شهدته الفترة من سير منتظم للبرامج والاستحقاقات الوطنية، وتوجهت بالتحية إلى جماهير شعبنا، وما أبدته من انخراط واعٍ ومسؤول، وهي تخلد خمسينية الوحدة الوطنية، في تجاوب دائم مع العمل الميداني لجيش التحرير الشعبي الصحراوي، الذي يواصل عمله القتالي البطولي بكل عزم وثبات.
وأشادت الأمانة الوطنية بالتظاهرات الشعبية العارمة في كل مواقع تواجد شعبنا، في الأرض المحتلة وجنوب المغرب، في مخيمات العزة والكرامة والجاليات، والتي خرجت بقوة وحماس ووطنية صادقة ووفاء لعهد الشهداء، للتعبير عن الرفض القاطع لأي حل أحادي الجانب ولا يضمن ممارسة الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير، وتأكيداً لرسوخ وثبات موقف الشعب الصحراوي وتمسكه بوحدته والتفافه حول مبادئ وأهداف رائدة كفاحه وممثله الشرعي والوحيد، الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.
وشددت الأمانة الوطنية على مسؤولية الأمم المتحدة وهيئاتها المعنية تجاه تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، آخر مستعمرة في إفريقيا. وطالبت الهيئة الأممية بتحمل مسؤولياتها تجاه الشعب الصحراوي، وإقليم واقع ضمن اختصاصها، بضمان حماية المواطنين الصحراويين تحت الاحتلال وضمان تمتعهم بحقوقهم الأساسية ووقف نهب ثرواتهم الطبيعية ومصادرة ممتلكاتهم، مع الإطلاق الفوري لسراح جميع الأسرى المدنيين الصحراويين في السجون المغربية والكشف عن مصير المفقودين.
وعند تناولها لقرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 (2025) شددت الأمانة الوطنية على ما تضمنه القرار من حيث التأكيد الواضح على أنه لا يمكن تسوية النزاع في الصحراء الغربية من دون ممارسة الشعب الصحراوي لحقه الثابت في تقرير المصير بما يتماشى مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما شكل رداً واضحاً على محاولات دولة الاحتلال المغربي التي راهنت، وبدعم قوي من بعض القوى، على دفع المجلس إلى القفز على قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الصحراوية.
وإذ تجدد استعداد الطرف الصحراوي الدائم للتعاطي البناء مع المسار السلمي الذي ترعاه الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، فقد أعادت الأمانة الوطنية التأكيد على موقف جبهة البوليساريو من حيث إنها لن تكون طرفاً في أي عملية سياسية أو مفاوضات تقوم على أي "مقترحات"، كيفما كانت وأياً كان مصدرها، تهدف إلى "إضفاء الشرعية" على الاحتلال العسكري المغربي غير الشرعي لأراضي الجمهورية الصحراوية وحرمان الشعب الصحراوي من حقه غير القابل للتصرف وغير القابل للمساومة أو التقادم في تقرير المصير والاستقلال والسيادة على وطنه.
الأمانة الوطنية، التي أعربت عن امتنانها العميق للدول لأعضاء في مجلس الأمن، وعلى رأسها الجزائر الشقيقة، التي دافعت بقوة عن ضرورة احترام مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بقضية بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، عبرت الأمانة الوطنية عن إدانتها الشديدة لتلك الأطراف التي سعت من داخل مجلس الأمن وخارجه إلى محاولة الدفع نحو انحراف خطير وغير مسبوق عن الأسس التي يعتمدها مجلس الأمن في تناوله لقضية الصحراء الغربية طبقاً للمبادئ الأساسية المُكرسة في ميثاق الأمم المتحدة.
وبعد تذكيرها بالأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الدولية والقارية، بما فيها قرار محكمة العدل الأوروبية، المؤرخ في 04 أكتوبر 2024، أدانت الأمانة الوطنية بأشد العبارات الاتفاق الموقع بين مفوضية الاتحاد الأوروبي والمغرب، والذي يتحايل بشكل مخجل على أحكام القضاء الأوروبي.
وإذ تطالب الأمانة الوطنية الاتحاد الأوروبي بالامتثال للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الأوروبي نفسه في الصحراء الغربية، فإنها تؤكد أن جبهة البوليساريو ستلجأ إلى جميع السبل القانونية الكفيلة بضمان احترام الحقوق السيادية للشعب الصحراوي، بما فيها الطعن في الاتفاق المذكور والاتفاقات التجارية والصيد البحري.
ونبهت الأمانة الوطنية مجدداً إلى خطورة سياسات التوسع والعدوان واحتلال أراضي الجيران بالقوة والابتزاز التي تنتهجها دولة الاحتلال المغربي على السلم والاستقرار في المنطقة. وفي هذا السياق، حذرت الأمانة الوطنية من أن الجريمة المنظمة العابرة للحدود والجماعات الإرهابية تحظى بدعم وتشجيع مستمر ومتزايد من دولة الاحتلال المغربي، بما في ذلك عبر الضخ المكثف للمخدرات بأنواعها، لتمرير أجندات التدخلات الأجنبية، على حساب السلم والاستقرار وعلى أنقاض الشرعية والقانون الدولي.
وجددت الأمانة الوطنية التعبير عن كامل تقدير وعرفان الشعب الصحراوي للجزائر الشقيقة، حكومة وشعباً، بقيادة السيد الرئيس عبد المجيد تبون، على موقفها التاريخي والمبدئي الداعم لقضية شعبنا العادلة انسجاماً مع مبادئ ثورتها المجيدة وتمسكها بالشرعية الدولية والإفريقية.
وتؤكد الأمانة الوطنية استعداد الطرف الصحراوي الدائم للتعاون مع بلدان الجوار للتصدي لكل التحديات والمخاطر التي تهدد المنطقة. وتشيد بهذا الخصوص بمستوى علاقات الأخوة الجوار والمصير المشترك والتنسيق والتشاور مع الشقيقة موريتانيا.
الأمانة الوطنية توجهت بالتحية والتقدير إلى كل حلفاء وأصدقاء الشعب الصحراوي، المدافعين بالتزام وثبات عن قضيته العادلة، في كل بلدان وقارات العالم، مشيدة بنجاح الندوة الأوروبية للتضامن مع الشعب الصحراوي التي عقدت في باريس، والتي شكلت دعوة واضحة للدولة الفرنسية للتقيد بمقتضيات الشرعية الدولية والكف عن الانحياز إلى الظلم والعدوان الذي لا يخدم السلام والاستقرار والتعاون والتكامل في المنطقة المتوسطية وشمال إفريقيا.
الأمانة الوطنية وهي تشيد بتشبث الاتحاد الإفريقي باحترام قراره السيد فيما يتعلق بالشراكات، فإنها تطالب بتحرك المنظمة القارية، بكل السبل وعلى كل المستويات، لضمان التقيد الصارم بقانونه التأسيسي، باحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار واستكمال مسار تصفية الاستعمار من القارة الإفريقية، وإنهاء آخر مظاهره فيها، المتمثل في قضية الصحراء الغربية.
ولا يفوت الأمانة الوطنية ان تشيد بالموقف الذي عبر عنه البرلمان الإسباني والحركة التضامنية والأحزاب السياسية الإسبانية، والذي أكد على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. وذكرت الأمانة الوطنية الحكومة الإسبانية بمسؤولياتها التاريخية، السياسية، الأخلاقية والقانونية تجاه تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية وتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير والاستقلال، وحذرت من أي موقف منحاز إلى الطرح التوسعي المغربي الذي لا يستثني أياً من جيران المملكة، بما فيهم إسبانيا نفسها.
وسيكون شعبنا، كما دائماً في مستوى التحدي للتعاطي بما تقتضيه المرحلة من وحدة وتماسك ويقظة لإفشال مؤامرات العدو ولرفع مستوى الأداء على جميع الواجهات، وإنجاح الاستحقاقات الوطنية الكبرى المقبلة، وخاصة خمسينية قيام الجمهورية الصحراوية، لجعلها محطة متميزة لتقريب يوم النصر الحتمي، بانتزاع حقوق شعبنا كاملة في الحرية والاستقلال.
قراءة معمقة: خارطة طريق 2026 في ميزان الأمانة الوطنية
عندما تُنهي الأمانة الوطنية دورتها العادية في خريف 2025، فهي لا تصدر مجرد بيان للاستهلاك الإعلامي. إن الوثيقة أعلاه، التي صدرت في التاسع من نوفمبر، تمثل "دستور عمل" للعام المقبل، وهو عام يحمل رمزية استثنائية تتمثل في الذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. قراءة متأنية في مفردات البيان تكشف عن تحولات جوهرية في إدارة الصراع مع الاحتلال المغربي.
1. مجلس الأمن 2025: معركة المصطلحات والشرعية
لعل النقطة الأكثر دلالة في البيان هي التعاطي مع قرار مجلس الأمن رقم 2797. لقد اعتاد المتابعون للشأن الصحراوي على بيانات تندد بجمود مجلس الأمن، لكن هذه المرة، التقطت القيادة الصحراوية "نصف الكوب الممتلئ". البيان يركز على تثبيت مصطلح "تقرير المصير" كشرط لازم لأي حل.
هذا التركيز ليس عبثياً؛ إنه رد مباشر على الدبلوماسية المغربية التي حاولت طيلة السنوات الماضية، مدعومة بقوى غربية نافذة، استبدال "الاستفتاء" بـ"الحكم الذاتي". تأكيد البيان على أن الجبهة لن تكون طرفاً في أي عملية تشرعن الاحتلال، ينسف أي إمكانية لمفاوضات الموائد المستديرة إذا كانت سقفها لا يتجاوز السيادة المغربية المزعومة. الجبهة هنا تضع خطاً أحمر: إما الاستقلال كخيار مطروح، وإما استمرار القطيعة السياسية.
2. الحرب القانونية: ما بعد حكم المحكمة الأوروبية
يخصص البيان مساحة واسعة للحديث عن الاتحاد الأوروبي، ويستخدم لغة هجومية غير مسبوقة ("التحايل المخجل"). يأتي هذا في سياق ما بعد الحكم التاريخي لمحكمة العدل الأوروبية في 04 أكتوبر 2024، الذي أكد أن الصحراء الغربية والمغرب إقليمان متمايزان ومنفصلان.
تدرك القيادة الصحراوية أن المعركة الاقتصادية هي "خاصرة الرخوة" للاحتلال. فالشركات الأوروبية التي تستثمر في الأراضي المحتلة (في مجالات الصيد، الفوسفات، والطاقة المتجددة) باتت الآن في وضع قانوني حرج. تعهد الأمانة الوطنية باللجوء إلى "الطعن" في الاتفاقيات الجديدة يعني أن عام 2026 سيشهد حرب استنزاف قضائية في لوكسمبورغ وبروكسل، تهدف إلى جعل تكلفة الاحتلال باهظة جداً على الرباط وحلفائها الأوروبيين.
3. "تصعيد القتال": عقيدة المرحلة
لم يأتِ شعار "تصعيد القتال لطرد الاحتلال واستكمال السيادة" كخاتمة إنشائية، بل هو صلب العقيدة العسكرية الحالية. منذ انهيار وقف إطلاق النار، تحول النزاع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
البيان يشيد بعمل جيش التحرير الشعبي الصحراوي ويربطه بالحراك الجماهيري في المدن المحتلة. هذا الربط يشير إلى استراتيجية "الكماشة": ضغط عسكري على الجدار الرملي يستنزف قدرات الجيش المغربي المادية والمعنوية، وضغط مدني وحقوقي في الداخل المحتل يفكك الدعاية المغربية حول "الاستقرار". الاستعدادات لخمسينية الجمهورية ستكون وقوداً معنوياً لتكثيف هذه العمليات، حيث تسعى الجبهة لتقديم "إنجازات ميدانية" تتوج بها نصف قرن من الكفاح.
4. التحالفات: الثابت والمتغير
جيوسياسياً، يعكس البيان ارتياحاً للعلاقة مع الحليف الاستراتيجي، الجزائر، مشيداً بمواقف الرئيس عبد المجيد تبون. هذه الإشادة تتجاوز الدبلوماسية لتؤكد وحدة المصير في مواجهة التحديات الإقليمية.
أما اللافت فهو الغزل السياسي الموجه للداخل الإسباني (البرلمان والأحزاب) مقابل التحذير الشديد للحكومة. تحاول البوليساريو هنا اللعب على التناقضات الداخلية في مدريد، مذكرة إسبانيا بمسؤوليتها التاريخية والقانونية كقوة مديرة للإقليم. كما أن الإشارة إلى موريتانيا تؤكد حرص الطرف الصحراوي على تأمين حدوده الجنوبية وضمان حياد نواكشوط الإيجابي في وجه الضغوط المغربية.
خاتمة: نحو المستقبل
خلاصة القول، إن مخرجات الدورة الثامنة تؤكد أن جبهة البوليساريو قد طوت صفحة "الانتظار". الاستراتيجية الجديدة تعتمد على المبادرة في ثلاث مسارات متوازية: التصعيد العسكري، الملاحقة القضائية الدولية، والتحصين الداخلي. وأمام تعنت الاحتلال وعجز مجلس الأمن، يبدو أن لغة الميدان ستكون هي الأعلى صوتاً في الأشهر القادمة، في طريق استكمال سيادة الجمهورية الصحراوية على كامل ترابها الوطني.

دون شك تقرير كتبه عطاي و زير خارية اي خارجية الخراير
ردحذف