رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

 تجمّع إيكوكو 2025: حين يتجدد زخم التضامن الأوروبي مع الصحراء الغربية في محطة مفصلية للنزاع




تحليل سياسي وحقوقي – رمال سياسية | قراءة معمقة لدور الدورة الـ 49 لتجمّع "إيكوكو" في باريس.


مع انعقاد الدورة التاسعة والأربعين لتجمّع التضامن الأوروبي مع الشعب الصحراوي "إيكوكو" (EUCOCO) في باريس، يعود ملف الصحراء الغربية ليتصدر من جديد واجهة النقاش الحقوقي والسياسي داخل أوروبا، في لحظة تتداخل فيها التحولات الجيوسياسية مع واقع الإقليم الذي ما يزال أحد أطول النزاعات غير المحسومة في العالم. وعلى الرغم من التعقيدات المتراكمة منذ عقود، إلا أن التجمع هذا العام حمل ملامح مختلفة امتزج فيها الخطاب الحقوقي مع المطالبة بآليات ضغط أكثر فاعلية على الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.


■ عودة قوية للحراك الأوروبي

تميّز تجمّع إيكوكو لهذا العام بحضور وفود واسعة من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وإيرلندا والبرتغال ودول الشمال الأوروبي، إضافة إلى منظمات حقوقية ونقابية ومؤسسات برلمانية محلية. ويأتي هذا الزخم في ظل تزايد الاهتمام الشعبي الأوروبي بالقضايا الإنسانية، حيث تحوّلت الصحراء الغربية إلى ملف بات يحظى بنقاش متصاعد داخل البرلمانات الوطنية.

ورغم أن أوروبا كانت لسنوات تُتهم بالغموض في موقفها من النزاع، إلا أن منصة إيكوكو تسعى منذ تأسيسها سنة 1975 إلى إعادة تشكيل الوعي الأوروبي بالقضية الصحراوية، عبر مسارين:

  • **المسار الأول (الحقوقي):** يركز على أوضاع اللاجئين في مخيمات تندوف.
  • **المسار الثاني (السياسي):** يهدف إلى الدفع نحو مسار أممي يسمح بتقرير المصير وفق قرارات الأمم المتحدة.

هذا العام، بدا واضحاً أن القائمين على المؤتمر أرادوا تقديم رسالة سياسية بضرورة **"الخروج من حالة الجمود"** التي تعيشها الأمم المتحدة منذ سنوات، خصوصاً بعد تعثر تعيين مبعوثين أمميين وتواصل الخلاف حول طبيعة الحل.


■ ملف الثروات الطبيعية… جوهر صراع جديد

أحد المحاور الأكثر نقاشاً في جلسات المؤتمر كان موضوع استغلال الثروات الطبيعية في الصحراء، من فوسفات وطاقة متجددة ومناطق الصيد البحري. فقد بات هذا الملف خلال السنوات الأخيرة محور صراع قانوني بين البوليساريو والمغرب من جهة، والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، خاصة بعد سلسلة أحكام صادرة عن **محكمة العدل الأوروبية** التي اعتبرت أن الاتفاقيات الموقعة بين الاتحاد والمغرب لا تشمل إقليم الصحراء إلا بموافقة الشعب الصحراوي.

في هذا السياق، ركّز المشاركون على ضرورة خلق آليات ضغط على شركات أوروبية تعمل في الإقليم، معتبرين أن الاستثمار في الصحراء دون اتفاق مع ممثلين عن الشعب الصحراوي **"يشرعن استدامة النزاع"**. هذا الخطاب تردد كثيراً في كلمات وفود إسبانيا وإيرلندا والدول الاسكندنافية.


■ مأساة اللاجئين… مركز ثقل التجمع

على الرغم من تمركز النقاش حول الجانب السياسي، إلا أن الوضع الإنساني في مخيمات تندوف عاد ليحتل مساحة كبيرة في الفعاليات. وتناولت ورشات متعددة أزمة التمويل التي تواجهها وكالات الأمم المتحدة العاملة هناك، خاصة برنامج الغذاء العالمي، الذي أعلن في تقارير حديثة أن نقص التمويل يهدد الأمن الغذائي لعشرات الآلاف من الأطفال والنساء.

وفي كلمات بعض الوفود الإنسانية، وصفت أزمة التمويل بأنها **"الأخطر منذ عقد"**، محذرين من أن تراجع الدعم الأوروبي قد يُدخل المخيمات في مرحلة هشاشة غير مسبوقة. وبحسب تقديرات المنظمات الحاضرة، فإن التضامن الأوروبي لم يعد اليوم مجرد واجب سياسي، بل ضرورة إنسانية للحفاظ على الحدّ الأدنى من الخدمات الأساسية.


■ تغير المناخ… ضيف ثقيل على المؤتمر

للمرة الأولى، خصص التجمّع جلسة كاملة لمناقشة تأثيرات التغير المناخي على الوضع الإنساني والسياسي في الصحراء الغربية. وقدّم خبراء من جامعات فرنسية وإسبانية تحليلات تشير إلى أن المنطقة تُعدّ واحدة من أكثر المناطق القاحلة في شمال إفريقيا، وأن زيادة درجات الحرارة وندرة الأمطار قد تدفع مزيداً من سكان المناطق الريفية نحو اللجوء أو الهجرة.

كما ناقشت الجلسة سيناريوهات مرتبطة بمستقبل الطاقة المتجددة في الإقليم، خاصة مشاريع الطاقة الشمسية والريحية التي أثارت جدلاً واسعاً بشأن شرعيتها القانونية ودورها في إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي في المنطقة.


■ التحولات الإقليمية: صراع الروايات

جاء انعقاد إيكوكو هذا العام في سياق إقليمي شديد الحساسية، خصوصاً بعد التوتر المتزايد بين المغرب والجزائر، واستمرار إغلاق الحدود بين البلدين منذ سنوات. وقد انعكس هذا الوضع بشكل مباشر على النقاشات داخل المؤتمر، إذ اعتبر البعض أن الصراع بات جزءاً من معادلة أكبر تشمل مصالح جيوسياسية أوسع مما هو معلن.

ورغم ذلك، حافظ المؤتمر على طابعه الحقوقي التقليدي، محاولاً الابتعاد عن الاستقطاب السياسي بين العاصمتين، ومؤكداً أن تركيزه الأساسي هو حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. لكن في المقابل، كان واضحاً أن بعض الوفود الأوروبية ترى أن النزاع أصبح أكثر ارتباطاً بالمنافسة الدولية على النفوذ في شمال إفريقيا، وبالتالي فإن أي حل مستقبلي يجب أن يأخذ في الاعتبار التحولات الإقليمية والدولية، خصوصاً بعد تزايد الحضور الأمريكي والإسرائيلي في المغرب وتصاعد النفوذ الجزائري في الساحل.


■ هل يمكن أن يغير إيكوكو شيئاً في المعادلة؟

يُجمع مراقبون أوروبيون على أن قوة إيكوكو ليست في قدرته على تغيير المعادلات السياسية الكبرى، بل في دوره كواجهة ضغط مدني على حكومات أوروبا. فالتجمع استطاع عبر السنوات الماضية التأثير على قرارات البرلمانات، ودفع الكثير من البلديات والمؤسسات العامة إلى الاعتراف بالجمهورية الصحراوية أو دعمها.

لكن السؤال المطروح يتكرر كل عام: هل يمكن لمنتدى مدني أن يُحدث تحولاً حقيقياً في ملف معقد مثل الصحراء؟

إيكوكو يساهم في أمرين أساسيين:

  • **الحفاظ على حضور القضية في الرأي العام الأوروبي:** وهذا مهم جداً، خاصة في ظل تراجع الاهتمام الدولي بقضايا النزاعات الطويلة.
  • **الضغط على مؤسسات الاتحاد الأوروبي:** وخصوصاً في ملفات الثروات الطبيعية وحقوق الإنسان.

من هذه الزاوية، يمكن اعتبار أن المؤتمر أدى دوره، حتى وإن لم يغير مسار المفاوضات الأممية بشكل مباشر.


■ أوروبا بين المصالح والقيم

أحد أبرز النقاشات التي أثارها المؤتمر هو العلاقة المتوترة بين المبادئ الديمقراطية التي يعلنها الاتحاد الأوروبي، والمصالح الاقتصادية والسياسية التي تحكم علاقته بالمغرب. فالمغرب يُعدّ شريكاً استراتيجياً في ملفات الهجرة والأمن والطاقة، ما يجعل من الصعب على بعض الحكومات الأوروبية اتخاذ مواقف صارمة بشأن الصحراء.

لكن في المقابل، تعالت أصوات داخل البرلمان الأوروبي تدعو إلى "عدم رهن المواقف الأخلاقية بالمصالح الاقتصادية"، خاصة في ظل التقارير الحقوقية المتزايدة حول حرية التعبير في الإقليم وملف المعتقلين السياسيين.


■ إيكوكو… بين الأمس واليوم

عند مقارنة دورة 2025 بالدورات السابقة، يمكن ملاحظة ثلاثة اتجاهات رئيسية:

  • **تنامي مشاركة الشباب والنقابات:** وهو تحول لافت يعكس رغبة جيل جديد من الأوروبيين في تبني القضايا الإنسانية.
  • **توسّع النقاش ليشمل ملفات البيئة والاقتصاد:** بعدما كان يتركز أساساً على الجانب السياسي.
  • **تصاعد الخطاب الداعم لإعادة إطلاق مفاوضات مباشرة:** بين المغرب والبوليساريو برعاية الأمم المتحدة.

هذه الاتجاهات تشير إلى أن قضية الصحراء الغربية تتحول تدريجياً داخل أوروبا من قضية سياسية بحتة إلى قضية حقوقية–إنسانية متكاملة.


خلاصة: مؤتمر إيكوكو… تجديد للالتزام لا تغيير للمعادلة

حتى وإن لم يحمل التجمع حلولاً سياسية جاهزة، إلا أنه نجح في إعادة وضع الصحراء الغربية على طاولة النقاش الإنساني والحقوقي الأوروبي، في لحظة يتراجع فيها الاهتمام العالمي بالقضايا الطويلة الأمد.

إيكوكو 2025 كان مساحة لإعادة تقييم المواقف، وللتذكير بأن النزاع في الصحراء لا يزال بعيداً عن الحل، وأن معاناة اللاجئين مستمرة منذ نصف قرن، وأن المنطقة بحاجة إلى مقاربة جديدة تأخذ في الاعتبار التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع المجتمع المدني الأوروبي، عبر منصات مثل إيكوكو، خلق دينامية تدفع الأطراف والدول الكبرى نحو حل عادل؟ أم أن الصراع سيظل رهينة الحسابات الجيوسياسية؟

السنوات القادمة وحدها ستجيب.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق