خطة السلام الأميركية – الأوكرانية: معركة الدبلوماسية في لحظة الانهيار العسكري
تحليل سياسي – رمال سياسية | قراءة معمقة لخطة الـ 28 بنداً وبنودها المعدلة وتأثيرها على كييف في ظل التراجع الميداني والضغط الغربي.
منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، شكّلت خطوط النار في شرق أوروبا نقطة ارتكاز لإعادة رسم الخرائط السياسية، وإعادة ترتيب موازين القوة داخل النظام الدولي. لكنّ اللحظة الراهنة — أواخر عام 2025 — تبدو الأكثر حساسية منذ اندلاع الحرب، ليس فقط بسبب اشتداد الهجمات الروسية أو تراجع الجبهة الأوكرانية في عدة محاور، بل لأن مساراً دبلوماسياً جديداً يطلّ برأسه عبر ما بات يُعرف بـ **خطة السلام الأميركية ذات الـ 28 بنداً**.
هذه الخطة، التي صيغت في واشنطن وطرِحت أولاً في ربيع 2024 ثم عادت إلى الطاولة بقوة خلال الأشهر الأخيرة، تُقدَّم اليوم كأحد أكثر المسارات جدية لإنهاء الحرب. غير أن طريقها ليس معبّداً: فهي تواجه اعتراضات أوكرانية، وضغطاً روسياً، وتنافساً غربياً، وحسابات داخلية تُضعف موقع الرئيس فولوديمير زيلينسكي في لحظة يحتاج فيها إلى أقصى درجات التماسك.
في هذا المقال، تقدّم "رمال سياسية" قراءة معمقة لخطة السلام، بنودها، التحولات التي طرأت عليها، الأطراف المستفيدة والمتضررة، وردود الفعل الدولية، وصولاً إلى السؤال الأكبر:
**هل يمكن لهذه الخطة أن تُنهي الحرب — أم أنها مجرد وقف مؤقت لإعادة ترتيب الجبهات؟**
■ أولاً: ما خلفية خطة السلام الأميركية؟
ظهرت الخطة لأول مرة كمسودة داخل الإدارة الأميركية، في وقت كانت فيه واشنطن تبحث عن مخرج سياسي يحفظ صورتها الدولية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا. كانت الفكرة الجوهرية تقوم على: إنهاء الحرب دون هزيمة أوكرانيا عسكرياً، ودون انتصار كامل لروسيا، مع ضمان بقاء أوكرانيا ضمن الفضاء الغربي سياسياً واقتصادياً.
لكن مع تغيّر الإدارة الأميركية، وتبدّل أولويات أوروبا، والتقدّم البطيء للجيش الأوكراني، وجمود خطوط القتال، بات واضحاً أن المعركة تدخل مرحلة استنزاف، وأن كييف فقدت المبادرة الهجومية التي امتلكتها أواخر 2023. من هنا، عاد الاهتمام بالخطة — ولكن بشكل جديد. واشنطن أعادت صياغتها، كييف رفضت النسخة الأولى، وموسكو أبدت استعداداً مشروطاً للنقاش. والنتيجة كانت خطّة هجينة تحمل تنازلات من كل الأطراف، ولكنها لم تصل بعد إلى لحظة توافق نهائي.
■ ثانياً: بنود الخطة… الأصل والنسخة المعدلة
تشير المصادر المتطابقة إلى أن النسخة الأولى من الخطة تضمّنت 28 بنداً، أبرزها:
- **وقف إطلاق النار تحت إشراف دولي:** ينصّ على تجميد خطوط التماس كما هي، وهو بند اعتبرته كييف “مكافأة لروسيا”، لأنه يرسّخ المكاسب العسكرية التي حققتها.
- **انسحاب روسي تدريجي من مناطق محددة:** مع بقاء بعض المناطق محلّ تفاوض لاحق، خصوصاً دونيتسك ولوغانسك.
- **عدم طرح مسألة القرم حالياً:** وهو بند أثار غضب كييف، التي تعتبر القرم “قضية سيادية غير قابلة للنقاش”.
- **التزام أوكراني بالحياد العسكري مستقبلاً:** أي وقف توسع الناتو شرقيّاً، وهو بند حيوي بالنسبة لموسكو.
- **ضمانات أمن غربية لأوكرانيا:** تشمل حماية جوية وتسليحية لسنوات.
- **خطة إعادة إعمار بتمويل أوروبي وأميركي:** وهي النقطة التي جذبَت اهتمام كييف، نظراً لوضعها الاقتصادي الحرج.
- **إطلاق مشاورات طويلة الأجل حول الحدود النهائية.**
ما الذي تغير في النسخة المعدلة؟
بعد اعتراضات أوكرانية واسعة، أجرت واشنطن تعديلات مهمة، أبرزها: حذف بنود اعتُبرت منحازة لموسكو مثل تجميد الحدود بصورة دائمة، وإضافة بنود حول الانسحاب الروسي الكامل من بعض المناطق. كما تم وضع آلية مراجعة مستقبلية لمسألة القرم بدلاً من تجاهلها، مع وعد خاص بأن كييف لن تُجبَر على التخلي عن أراضٍ بشكل رسمي خلال المرحلة الأولى.
لكن رغم هذه التعديلات، لا تزال كييف ترى أن الخطة تتضمن “تنازلات قاسية”، بينما تعتبرها واشنطن “الطريق الوحيد المتاح حالياً لتجنب انهيار شامل”.
■ ثالثاً: لماذا تبدو كييف ضعيفة في لحظة التفاوض؟
على المستوى الميداني، تواجه القوات الأوكرانية وضعاً معقداً يجعلها تدخل مفاوضات السلام من موقع دفاعي، حتى وإن رفضت ذلك علناً:
- **تراجع دفاعي في عدة محاور:** خاصة جنوب دونيتسك وشمال لوهانسك.
- **ضغط روسي مكثف** على خطوط الإمداد الأوكرانية.
- **نقص الذخيرة والعتاد:** بسبب تأخر الدعم الغربي وتعطل سلاسل التوريد.
- **أزمة سياسية داخلية:** مثل تفتيش منزل مدير مكتب زيلينسكي ضمن تحقيقات فساد — وهو أعلى منصب يتعرض لهكذا إجراء منذ الحرب.
- **إنهاك عام** داخل المجتمع الأوكراني في ظل تراجع الاقتصاد وارتفاع أعداد المهاجرين والنازحين.
■ رابعاً: ماذا تريد روسيا؟
منذ البداية، لم تُخفِ موسكو مطالبها، وهي ما زالت تمسك بها بقوة في أي مفاوضات قادمة:
- **انسحاب أوكراني** من “الأراضي الروسية” بحسب تعريف الكرملين (دونيتسك ولوغانسك وزاباروجيا وخيرسون).
- **ضمانات بعدم انضمام أوكرانيا للناتو،** وهو ما تعتبره موسكو الخط الأحمر الأول.
- **رفع تدريجي للعقوبات الغربية،** وهو شرط غير معلن، لكنه حاضر في كل المفاوضات.
- **اعتراف دولي** بالحدود الجديدة.
تصريح بوتين مؤخراً بأن “روسيا ستوقف الحرب فور انسحاب أوكرانيا من هذه الأراضي”، يعكس استعداداً للتفاوض — بشرط أن تشعر موسكو أنها انتصرت استراتيجياً.
■ خامساً: أوروبا… بين ضغط الوقت وهاجس الأمن
القارة العجوز هي الأكثر رغبة في إنهاء الحرب، لكن لأسباب اقتصادية وأمنية ملحة:
- **التكلفة الاقتصادية:** ارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ النمو، وتراجع استثمارات الصناعة الأوروبية.
- **الخوف من موجة لجوء جديدة** خصوصاً إذا انهارت الجبهة الأوكرانية.
- **أزمة داخل الناتو:** وتباين مواقف فرنسا وألمانيا وبولندا.
- **ضغط الرأي العام الداخلي:** الذي بات يميل لوقف الحرب أكثر من استمرار الدعم العسكري.
لهذا تبدو أوروبا اليوم مستعدة للتعاطي مع خطة واشنطن — حتى لو كانت لا تلبي تماماً مطالب كييف.
■ سادساً: الولايات المتحدة… براغماتية اللحظة الانتخابية
واشنطن — بمؤسساتها، لا بإدارتها فقط — تنظر للحرب باعتبارها عبئاً مالياً ضخماً وعامل غضب داخل قواعد الناخبين، وملفاً يمكن أن يعيد ترتيب علاقاتها مع موسكو والصين. لذلك، تميل الإدارة الأميركية إلى حل سياسي سريع يمنع الانهيار دون الحاجة لحرب مفتوحة مع روسيا.
■ سابعاً: ما المكاسب التي قد تحصل عليها أوكرانيا من الخطة؟
رغم اعتراضات كييف، هناك نقاط إيجابية بالنسبة لها تجعلها مضطرة للنظر في الخطة بجدية:
- **ضمانات أمن غربية** طويلة الأمد.
- **حزمة إعادة إعمار ضخمة** بتمويل غربي.
- **عدم الاعتراف دولياً** بالحدود التي تريدها روسيا بشكل فوري ورسمي.
- **بقاء كييف ضمن الفضاء الغربي** سياسياً واقتصادياً.
- **مرحلة انتقالية** تسمح بإعادة بناء الجيش.
بالمقابل، هناك خسائر قد تكون مؤلمة:
- تجميد وضع القرم لسنوات.
- احتمال فقدان بعض المناطق التي احتلتها روسيا.
- اعتراف ضمني بأن الحرب وصلت إلى “حدّ التوازن” وليس النصر.
■ ثامناً: ماذا يعني قبول أوكرانيا بالخطة؟
قبول كييف بالخطة يعني نهاية الحرب المسلحة وبداية مفاوضات طويلة وشاقة حول الحدود، بالإضافة إلى إعادة رسم علاقة أوكرانيا بالناتو وبقاء روسيا لاعباً مركزياً في الأمن الأوروبي وانخراط أوروبا في تمويل الإعمار.
لكن الرفض يعني استمرار الحرب لسنوات، واحتمال تفاقم الانهيار العسكري، وإرهاق اقتصادي قد يصعب تعويضه.
■ تاسعاً: موقف موسكو من النسخة المعدلة للخطة
الكرملين يراقب التطورات من نقطة قوة نسبياً، لكن موقفه ليس بسيطاً:
- موسكو تريد اعترافاً دولياً بضمّ المناطق الأربعة التي أعلنت ضمها.
- ترفض أي بند يعطي أوكرانيا سلطة عسكرية متزايدة.
- تريد ضمانات مكتوبة بعدم توسع الناتو.
- تقبل بوقف إطلاق النار إذا حققت “الحد الأدنى من المكاسب” لتثبيت انتصارها الاستراتيجي.
وهذا يعني أن الخطة تحتاج تعديلات إضافية لتصل إلى صيغة ترضي الطرفين.
■ عاشراً: السيناريوهات المحتملة
- **سيناريو الاتفاق الجزئي:** توافق على وقف إطلاق نار مؤقت، وتأجيل القضايا الحساسة لسنوات.
- **سيناريو الفشل الكامل:** رفض أوكراني + تصلب روسي → استمرار الحرب.
- **سيناريو الضغط الدولي:** واشنطن وبروكسل تمارسان ضغطاً اقتصادياً وسياسياً هائلاً على كييف لقبول الخطة.
- **سيناريو “الهدنة الطويلة”:** تشبه ما حدث بين كوريا الشمالية والجنوبية — وقف نار مع حدود غير محسومة.
الحكم النهائي: هل الخطة واقعية؟
الحقيقة أن خطة السلام الأميركية هي الأكثر واقعية من بين كل المبادرات المطروحة، رغم أنها مجحفة لأوكرانيا ومزعجة لروسيا. لكنها تأتي في لحظة تراجع عسكري أوكراني، وضيق اقتصادي أوروبي، ورغبة أميركية في إنهاء الاستنزاف، وطموح روسي لتثبيت مكاسبها. ما يجعل الخطة عملياً نقطة توازن اضطرارية لا يمكن تجاهلها.
الأمر المؤكد أن أوكرانيا لن تخرج من هذه الحرب بالشكل الذي كانت تحلم به، والغرب لن يحقق الانتصار الكامل الذي كان يسعى إليه، وروسيا لن تحصل على كل ما تريد. لكن العالم قد يحصل على شيء واحد مهم: وقف نزيف حرب تُهدد بتفجير النظام الدولي بأكمله.
