الحدود القاتلة: مأساة الصحراء الغربية… حين تتحول رسومات الاستعمار إلى أطول نزاع في أفريقيا
تحليل معمق لدور رسم الخرائط الاستعمارية في خلق الأزمات المستمرة، وكيف أدى الفراغ القانوني الذي تركته إسبانيا عام 1975 إلى صراع دولي تتجاذبه المصالح الجيوسياسية والثروات الطبيعية.
تُعد الحدود السياسية على الخريطة العالمية شهادة صامتة على التاريخ: فهي لا تعكس التضاريس الجغرافية أو الهوية القبلية، بل هي نتاج صافٍ لـ **موازين القوى الاستعمارية** التي رسمتها. ومن بين جميع الآثار التي خلفتها تلك الخطوط المصطنعة، تبرز **قضية الصحراء الغربية** كواحدة من أكثر النزاعات تعقيداً وديمومة، حيث تُجسد مأساة شعب وُضع في خانة "المنطقة الرمادية" القانونية والسياسية، ليصبح آخر إقليم ينتظر تصفية الاستعمار في القارة الأفريقية.
هذا النزاع لا يتعلق فقط بالسيادة الإقليمية؛ إنه يمثل صراعاً وجودياً بين مبدأ **حق تقرير المصير** الذي كرسته الأمم المتحدة، وبين محاولات فرض **سياسة الأمر الواقع** التي يعززها الدعم الدبلوماسي والمصالح الاقتصادية.
■ أولاً: عنف الخرائط… وميراث مؤتمر برلين 1884
نشأت معظم الحدود الأفريقية، بما فيها حدود الصحراء الغربية، في سياق "مؤتمر برلين" (1884-1885). كان الهدف الأوروبي هو تقسيم القارة دون الرجوع إلى السكان المحليين أو هياكلهم الاجتماعية والقبلية. كان المبدأ السائد هو **"الاحتلال الفعّال"**، حيث تم الاعتراف بحقوق القوى الاستعمارية على مناطق ادعت السيطرة عليها.
وفي هذا الإطار، دخلت إسبانيا رسمياً إلى الصحراء الغربية في عام 1884، معتبرة إياها "أرضاً بلا سلطة حاكمة"، وهو ما تناقض تماماً مع وجود مجتمع صحراوي متجذر له شبكة قبلية ونظام تقليدي. وقد وصف المؤرخون هذه العملية بأنها:
"لقد تم رسم الحدود بمسطرة وقلم رصاص على خرائط فارغة في قاعات أوروبية، متجاهلة الجغرافيا البشرية ومصالح الشعوب التي تعيش على جانبي تلك الخطوط."
لقد رسمت مدريد حدود الإقليم بمرونة تخدم استغلالها للمنطقة، خاصة بعد اكتشاف كميات ضخمة من **الفوسفات** في بوكراع في الأربعينات، وتأكيد السيطرة على واحدة من أغنى مناطق الصيد البحري في العالم قبالة سواحلها الأطلسية. كانت الحدود الاستعمارية مصممة للاستغلال، وليس لإنشاء دولة قابلة للحياة.
■ ثانياً: الأساس القانوني للنزاع… ورأي محكمة العدل الدولية
يُعد الأساس القانوني لملف الصحراء الغربية من أكثر القضايا وضوحاً في القانون الدولي، ورغم ذلك، يظل الحل مستعصياً.
1. الإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي (القرار 1514)
في عام **1963**، أدرجت الجمعية العامة للأمم المتحدة الصحراء الغربية في قائمة "الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي". ومنذ ذلك الحين، اعتُبرت القضية نزاع تصفية استعمار يخضع لمبدأ حق تقرير المصير، كما نص عليه قرار الجمعية العامة **1514** (إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة).
2. الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (1975)
في لحظة تاريخية، أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيها الاستشاري في **16 أكتوبر 1975**. كان استنتاج المحكمة حاسماً:
"لم تثبت أي روابط سيادية قانونية" بين الإقليم (الصحراء الغربية) وكل من المغرب وموريتانيا قبل الاستعمار الإسباني، بما من شأنه أن يغير تطبيق القرار 1514 بخصوص تقرير المصير.
هذا الرأي أكد أن الإقليم ليس جزءاً لا يتجزأ من أي دولة مجاورة، وألزم إسبانيا (القوة المديرة) والأمم المتحدة بالعمل على تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في اختيار مستقبله بحرية.
3. اتفاقية مدريد (الخيانة الاستعمارية)
بعد أيام قليلة من رأي المحكمة، وقعت إسبانيا على اتفاق مدريد الثلاثي (14 نوفمبر 1975)، الذي نقل الإدارة المؤقتة للإقليم إلى المغرب وموريتانيا. وقد أعلنت الأمم المتحدة بوضوح أن هذه الاتفاقية "لا تمنح السيادة" ولم تغير الوضع القانوني للإقليم. وبموجب القانون الدولي، فإن إسبانيا، بانسحابها غير المسؤول، خلقت **فراغاً قانونياً** دخل منه المغرب، مما أدى إلى النزاع المسلح وهروب عشرات الآلاف من الصحراويين إلى اللجوء في تندوف بالجزائر.
■ ثالثاً: الجيوسياسيا وتجميد العدالة (صوت السياسة أعلى)
على الرغم من وضوح الأساس القانوني، ظلت القضية مجمدة بسبب تداخل المصالح الإقليمية والدولية:
1. الدعم الفرنسي الثابت
تعتبر فرنسا الداعم الأوروبي والدولي الأقوى للموقف المغربي. فباستخدامها المتكرر لنفوذها في مجلس الأمن (وبعض التهديدات غير المعلنة بالفيتو)، نجحت باريس في ضمان أن قرارات المجلس لا تتجاوز أبداً الإطار السياسي وتظل بعيدة عن إلزام الأطراف بإجراء استفتاء بجدول زمني محدد. هذا الدعم الفرنسي يضع عائقاً بنيوياً أمام أي حل أممي جدي يعتمد على القانون الدولي.
2. دور الجزائر: حارس المبدأ
تتخذ الجزائر موقفاً مبدئياً ثابتاً يدعم الشرعية الدولية وحق تقرير المصير، معتبرة أن أي حل يجب أن يمر عبر صندوق الاقتراع. هذا الموقف المبدئي ليس مجرد دعم سياسي، بل هو صمام أمان يمنع تصفية القضية من الجدول الزمني للأمم المتحدة. هذه الثوابت الجزائرية، كما يؤكدها المسؤولون الجزائريون (انظر تصريحات صالح قوجيل) وكما يظهر في تقييمهم للأوضاع (تحليل فشل خطة الحكم الذاتي)، تهدف إلى الحفاظ على الإطار القانوني الدولي للنزاع.
3. التحول الأمريكي وتحدي الاعتراف
في ديسمبر 2020، اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ورغم أن هذا القرار لم يغير الموقف الرسمي للأمم المتحدة، فإنه خلق سابقة خطيرة، ووضع إدارة بايدن اللاحقة في موقف صعب بين التراجع عن قرار سابق أو الالتزام به على حساب القانون الدولي.
■ رابعاً: الثروات والتعقيد الاقتصادي (سر التشبث بالإقليم)
تتركز الأهمية الاقتصادية للصحراء الغربية في مواردها الطبيعية الهائلة، والتي تزيد من تعقيد حل النزاع:
- **الفوسفات:** يمتلك منجم بوكراع واحداً من أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم، والذي يُعتبر ضرورياً للأمن الغذائي العالمي (السماد). يمثل التحكم في هذا المورد دافعاً اقتصادياً رئيسياً للسيطرة على الإقليم.
- **الثروة السمكية:** السواحل الأطلسية للصحراء الغربية هي من أغنى مناطق العالم بالأسماك، وتعتبر مصدراً حيوياً للاقتصاد المغربي وللاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي (على الرغم من إلغاء محكمة العدل الأوروبية لتلك الاتفاقيات لأنها لم تشمل موافقة الشعب الصحراوي).
- **الطاقة المتجددة:** تشير الدراسات إلى إمكانات هائلة لإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الإقليم، مما يزيد من قيمته الاستراتيجية في سياق التحول العالمي للطاقة النظيفة.
هذا العمق الاقتصادي يفسر لماذا يظل "صوت السياسة أعلى" من "صوت القانون"، إذ تتشابك المصالح الاقتصادية لدول كبرى مع استمرار الوضع الراهن.
■ خامساً: تصفية استعمار معلّقة (فشل بعثة المينورسو)
منذ وقف إطلاق النار عام 1991، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (**MINURSO**) للإشراف على تنظيم استفتاء لتقرير المصير. لكن هذه البعثة، التي تحمل اسم "الاستفتاء"، لم تنجح في إجرائه أبداً.
تكمن الأزمة في:
- **قائمة الناخبين:** خلافات لا تنتهي حول الأفراد الذين يحق لهم التصويت (القبائل التي لها صلة تاريخية بالإقليم).
- **المهمة المجمدة:** أصبحت مهمة المينورسو في الأساس **مهمة مراقبة لوقف إطلاق النار**، وفشلت في تحقيق هدفها الأساسي (الاستفتاء)، مما أدى إلى استئناف القتال في نوفمبر 2020.
يظل قرار مجلس الأمن، الذي يمدد عمل البعثة سنوياً، يؤكد على ضرورة "التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين، يكفل حق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره". ورغم أن هذه القرارات تحافظ على الإطار القانوني، إلا أن الفشل في تحديد آلية لتنفيذها هو ما يبقي على النزاع.
■ الخاتمة: حق لا يموت ومستقبل مفتوح
تظل قضية الصحراء الغربية درساً قاسياً في مواريث الاستعمار، حيث لا يمكن لخطوط رُسمت على عجالة أن تمحو وجود شعب أو تُلغي حقه الأصيل. ورغم طول النزاع، فإن الأساس القانوني لا يزال قوياً، وتتزايد الضغوط الدولية والإقليمية المطالبة بالحل.
الصحراء الغربية ليست مجرد مساحة على الخريطة؛ إنها اختبار لمصداقية القانون الدولي وفاعلية الأمم المتحدة. وحق الشعب الصحراوي، كما أكد المبعوثون الدوليون، هو حق **لا يسقط بالتقادم**، وسيظل الشعب الصحراوي ينتظر الفرصة التي أضاعها الاستعمار: أن يقرر مصيره بنفسه، بالاستفتاء الحر والنزيه الذي أقرته الشرعية الدولية.
📚 قراءات تحليلية إضافية (الروابط الداخلية لرمال سياسية):
- • مواقف عليا: تصريحات صالح قوجيل حول الموقف المبدئي للجزائر.
- • تأكيد الدعم: وزير الخارجية عطاف يستقبل نظيره الصحراوي.
- • تقييم دبلوماسي: عطاف يتحدث عن فشل مغربي في فرض خطة الحكم الذاتي.
- • الشرعية الدولية: تحليل موقف الجزائر الثابت بعد قرار مجلس الأمن 2797.
- • البعد العسكري: تحليل حول المحافظة السياسية لجيش التحرير الشعبي الصحراوي.
- • مخيمات اللاجئين الصحراويين: تنظيم وأزمة إنسانية.
- • الرهانات الجيوسياسية: نفي وجود اتفاقيات حول غار جبيلات بين الجزائر والمغرب.
- • الأقاليم المهملة: معضلة سفالبارد القطبية بين السيادة النرويجية والتوتر.
