الرهان الجزائري الكبير: استغلال منجم غار جبيلات يبدأ في 2026.. هل يغير الحديد خريطة اقتصاد الجزائر ؟
إعلان تبون عن موعد انطلاقة المشروع الاستراتيجي.. ومحللون يرون "رهانًا اقتصاديًا عالي المخاطر" في ظل التحديات اللوجستية ونوعية الخام.
■ الخبر: تبون يحدد موعد انطلاق استغلال غار جبيلات
أعلن الرئيس الجزائري **عبد المجيد تبون** خلال اجتماع مجلس الوزراء، أن عمليات استغلال **منجم غار جبيلات** ستنطلق رسميًا خلال **الثلاثي الأول من عام 2026**، مؤكّدًا أن هذا المشروع يدخل ضمن **"الرهانات الاستراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص فاتورة استيراد الحديد بشكل تدريجي"**.
ويعدّ منجم غار جبيلات، الواقع في أقصى الجنوب الغربي الجزائري، واحدًا من أكبر مناجم الحديد في العالم باحتياطي يقدَّر بأكثر من **3.5 مليار طن**، ما يجعله في نظر السلطات "رافعة اقتصادية قادرة على تغيير بنية الاقتصاد الوطني".
تبون شدّد على أن المشروع "محطة مفصلية في مسار بناء اقتصاد وطني متحرر من التبعية للمحروقات"، مؤكدًا أن الحكومة تعمل على مرافقة هذا الورش عبر **إنشاء مصانع معالجة الحديد** و**تطوير البنى التحتية اللوجستية**، بما فيها خطوط السكة الحديدية الرابطة بين بشار وتندوف.
📚 مواضيع ذات صلة (تحليل داخلي):
■ تحليل سياسي واقتصادي: بين الطموح والواقع… هل ينجح رهان الجزائر؟
إعلان تبون يأتي في لحظة حساسة تمرّ بها الجزائر اقتصاديًا، وسط مساعٍ لإعادة توجيه موارد الدولة نحو مشاريع تعتبرها الحكومة “قاطرة التنمية”. غير أنّ مشروع غار جبيلات ظلّ لسنوات عنوانًا للتأجيل والتعثر، ما يدفع المتابعين للتساؤل حول مدى قدرة البلاد على تحويل هذا المنجم إلى صناعة حديد حقيقية وليست مجرد مشروع على الورق.
1. رهان لوجستي كبير في منطقة حساسة
يقع المنجم في منطقة صحراوية نائية، مما يتطلب استثمارات ضخمة غير مسبوقة في البنية التحتية الأساسية. هذه الاستثمارات هي التي تحدد جدوى المشروع على المدى الطويل:
- **النقل بالسكك الحديدية:** بناء خطوط جديدة لربط المنجم بالموانئ أو بمصانع المعالجة.
- **المنشآت الصناعية:** تجهيز مصانع قادرة على التعامل مع نوعية الخام.
- **الطاقة والمياه:** إمداد المنجم والمصانع المرافقة بكميات هائلة من الطاقة والمياه في بيئة صحراوية قاسية.
وهو ما يجعل من استغلاله عملية مكلفة قد تتجاوز عائداتها في المدى القصير، مما يشكل عبئاً على الميزانية العامة قبل تحقيق الأرباح.
2. محاولة لكسر التبعية للحديد المستورد
الجزائر تنفق سنويًا **مليارات الدولارات** لاستيراد الحديد والصلب، وهو ما يجعل السلطة تراهن على غار جبيلات لتغيير المعادلة وتحقيق وفرة في العملة الصعبة. لكن خبراء يرون أن نوعية الخام منخفضة التركيز وتتطلب **تقنية خاصة ومكلفة للمعالجة** (عادة تقنية الإثراء والفصل المغناطيسي)، ما قد يرفع كلفة الإنتاج النهائي للمنتج الجزائري مقارنةً بأسعار الحديد المستورد، مما يضع ضغطاً على تنافسية المنتج الوطني.
3. البعد السياسي الداخلي للمشروع
إعلان تبون يحمل أيضًا رسالة سياسية داخلية قوية، مفادها أن الحكومة تمضي قدمًا في مشاريع كبرى رغم التحديات الاقتصادية العالمية. فالمشروع يُقدَّم كـ“إنجاز استراتيجي” و**رمز للاكتفاء الذاتي قبل عام 2026**، مما يجعله ورقة مهمة في المشهد الداخلي، خاصة في سياق الخطاب المناهض للتبعية الخارجية. هذا البعد السياسي قد يضع ضغطاً إضافياً على الشركات المنفذة لتحقيق الموعد المعلن عنه، حتى لو كان على حساب الكفاءة التشغيلية الأولية.
4. هل 2026 تاريخ واقعي؟ التحديات المؤجلة
بينما تؤكد السلطات جاهزيتها، تشير تقارير غير رسمية ومتابعات للمشهد اللوجستي إلى أن تحقيق الإنتاج الضخم بحلول عام 2026 يواجه تحديات زمنية:
- **البنية التحتية:** لا تزال بعض خطوط السكة الحديدية الحيوية لم تُستكمل بعد، وهي عنصر أساسي لنقل الخام من تندوف إلى مناطق المعالجة.
- **الشراكات الأجنبية:** التفاوض مع الشركاء الأجانب الذين يمتلكون التقنيات اللازمة لمعالجة الخام منخفض التركيز مازال مستمرًا ويستغرق وقتاً.
- **التجهيزات:** المعالجة الصناعية للخام تحتاج تجهيزات لم تُختبر بعد في المنطقة على نطاق واسع، ما يتطلب فترة تشغيل تجريبية طويلة.
ما يعني أن بدء الاستغلال قد يتحقق بشكل محدود ورمزي في 2026، فيما يبقى الإنتاج الضخم والربحية الحقيقية مرهونين بالسرعة التي تتحقق بها بقية المشاريع المرافقة وحل التحديات اللوجستية المعقدة.
■ خلاصة وتساؤل استراتيجي
إعلان الرئيس تبون يضع غار جبيلات في قلب النقاش الاقتصادي والسياسي في الجزائر. فالمشروع يحمل طموحات ضخمة لكسر هيمنة المحروقات على الاقتصاد، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات واقعية تتطلب تخطيطًا دقيقًا واستثمارات مستمرة في البنية التحتية المعقدة.
ويبقى سؤال جوهري مطروحًا: هل تنجح الجزائر في تحويل هذا المنجم الضخم إلى صناعة استراتيجية تنافسية عالميًا، أم سيظل ورشًا مؤجلًا ومكلفًا، كما حدث في العقود الماضية قبل أن تدفع المتغيرات الجيوسياسية إلى إعادة إحيائه؟
