من النجاة إلى الردع: قراءة في اتفاقات زيلينسكي-ماكرون في باريس والتحول نحو التفوق الجوي
في السابع عشر من نوفمبر 2025، لم تكن زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى باريس مجرد لقاء روتيني لطلب المزيد من المساعدات، بل مثلت نقطة تحول استراتيجية في العلاقة الفرنسية-الأوكرانية. فبدلاً من التركيز على سد الثغرات العاجلة في خطوط الإمداد، تركزت المحادثات مع الرئيس إيمانويل ماكرون على صياغة استراتيجية ردع طويلة الأمد، مرتكزة على التفوق الجوي والتكنولوجيا الفرنسية المتقدمة.
الاتفاقات التي تم تداولها، بدءاً من صواريخ الدفاع الجوي المعقدة وصولاً إلى خطط توفير مقاتلات رافال على مدى عقد كامل، تضع فرنسا في موقع الشريك الأمني الأكثر التزاماً في مرحلة ما بعد الحرب، مع هدف ماكرون المعلن بـ "وضع التفوق الفرنسي في الذخائر والدفاع في خدمة أوكرانيا". لكن هذا التحول يثير أسئلة حول التمويل، وتأثيره على ميزان القوى الحالي، والهدف الأكبر لباريس في هيكلة الأمن الأوروبي الجديد.
1. الاستثمار في السماء: أولوية الردع الجوي والعمق الاستراتيجي
كانت الأولوية القصوى للمناقشات هي تعزيز قدرات أوكرانيا في مواجهة القوة الجوية والصاروخية الروسية. وقد أثبتت الأشهر الأخيرة أن السيطرة على الأجواء أو حتى القدرة على الحرمان من استخدامها هي مفتاح الصمود أمام حملات القصف الروسية المتزايدة.
أ. صواريخ (Aster 30) والدفاع المباشر
من المتوقع أن يركز الدعم الدفاعي الفوري على منظومات الدفاع الجوي. النقاش حول صواريخ Aster 30، المخصصة لأنظمة SAMP/T الفرنسية، يؤكد حاجة كييف الماسة لمواجهة التهديدات الباليستية والجوالة عالية السرعة. هذه الصواريخ تُعد ضرورية لحماية البنى التحتية الحيوية ومراكز القيادة من الهجمات المركزة. هذه الخطوة تأتي في وقت حرج، لا سيما مع استمرار موسكو في الاعتماد على القصف البعيد المدى كأداة ضغط استراتيجية.
لتقييم مدى أهمية هذا الدعم، يجب علينا أن نستذكر طبيعة الضربات التي تتعرض لها أوكرانيا، والتي تشمل استهداف البنية التحتية والمراكز المدنية. في سياق متصل، يمكنكم مراجعة تحليلنا السابق حول تداعيات الهجمات الصاروخية الروسية المتزايدة على العمق الأوكراني، لتتضح الصورة حول حجم الفجوة التي تسعى فرنسا لملئها بهذا النوع من الذخائر المتطورة التي توفر حماية طبقية ضد مختلف التهديدات الجوية. إن Aster 30 ليست مجرد صواريخ، بل هي استثمار في استدامة القدرة التشغيلية الأوكرانية تحت ضغط النيران المكثف.
ب. استراتيجية الـ 10 سنوات: طموح "رافال"
الجزء الأكثر طموحاً في الاتفاق هو خطة الطيران الاستراتيجية التي قد تمتد لعقد كامل، بهدف تزويد أوكرانيا بمقاتلات رافال (Rafale) من إنتاج شركة داسو الفرنسية. إن الانتقال إلى مقاتلة غربية متعددة المهام مثل رافال، بدلاً من الاعتماد على طائرات الحقبة السوفيتية المتقادمة، يمثل قفزة نوعية في القدرات القتالية الجوية الأوكرانية.
هذا الاتفاق لا يتعلق فقط بتوفير الطائرات؛ بل هو التزام طويل الأمد بالتدريب، والصيانة، وتأسيس بنية تحتية تشغيلية ولوجستية كاملة على الأراضي الأوكرانية. من المتوقع أن يتم توفير جزء من هذه المقاتلات من مخزون فرنسا الحالي لضمان تسليم عاجل في المراحل الأولى، مع تخصيص البقية ضمن خطط إنتاج وتوريد طويلة الأجل. وهذا يضمن لأوكرانيا قدرة ردع جوي مستدامة، ويمنح فرنسا ميزة تنافسية على حساب مصنعي الطيران الأمريكيين، مؤكداً مكانة الصناعة الدفاعية الفرنسية في أوروبا.
2. التحدي على الأرض والغموض التمويلي
بقدر ما كانت المحادثات تركز على المستقبل الجوي، فإن الواقع على الأرض يفرض تحديات عاجلة لا يمكن تجاهلها، مرتبطة بالقدرة على الصمود في المرحلة الانتقالية حتى وصول أنظمة الردع المتطورة.
أ. واقع ساحة المعركة وضرورة التمويل
في الوقت الذي ترسم فيه باريس خططاً لعقد من الزمان، تظل القوات الأوكرانية تواجه ضغطاً متزايداً في مناطق التماس الساخنة. التقدم الروسي الأخير، الذي شمل السيطرة على عدة بلدات في منطقة زابوريجيا - وهو ما يشير إلى أن الحرب بعيدة عن الجمود الكامل وأن روسيا تستعيد المبادرة تكتيكياً - يذكر صناع القرار الغربيين بأن النجاح المستقبلي يعتمد على صمود اليوم. إن هذه الانتكاسات الميدانية الأخيرة، التي غالباً ما تعزى إلى نقص الذخيرة والغطاء الجوي، تزيد من إلحاح الحاجة إلى تسريع تمويل وتوريد الذخائر التقليدية والمعدات الفورية، وليس فقط التخطيط للطيران المستقبلي. التحول من مرحلة "احتواء" روسيا إلى مرحلة "ردع"ها يتطلب موارد هائلة ومستمرة.
ب. تكنولوجيا الدرونز والتعاون الصناعي المشترك
أدرك الطرفان أن حرب المستقبل تُدار بالطائرات بدون طيار (الدرونز). لذا، تم التخطيط لجلسة تجمع كبار شركات صناعة الدرونز الفرنسية والأوكرانية بهدف التعاون والتطوير المشترك. هذا الجانب يعكس رغبة فرنسا في الاستفادة من الخبرة القتالية الأوكرانية المكتسبة ميدانياً في هذا المجال، مقابل تقديم التكنولوجيا والدعم الصناعي الفرنسي اللازم لرفع مستوى الإنتاج الضخم. هذا النوع من التعاون التكنولوجي المشترك يُعد استثماراً في الصناعات الدفاعية لكلا البلدين، ويسعى لدمج الابتكار التكتيكي الأوكراني مع الخبرة الهندسية الفرنسية.
ج. معضلة التمويل غير الواضح
يظل السؤال الأبرز متعلقاً بآلية تمويل هذه الصفقات الضخمة. الاتفاقات الدفاعية، وخاصة صفقة رافال طويلة الأمد، تتطلب ميزانيات هائلة. حتى الآن، ليس واضحاً تماماً كيف سيتم تمويل هذه الصفقات: هل سيتم تغطيتها بالكامل من الميزانيات الفرنسية الحالية؟ أم ستُدار عبر خطط شراء طويلة الأجل أو قروض مضمونة أوروبياً؟ هذا الغموض المالي قد يكون عقبة كأداء أمام التنفيذ الفعلي للخطط الاستراتيجية، ويضع ضغطاً على ماكرون لتأمين دعم مالي أوسع من شركائه الأوروبيين لتجسيد طموحه الأمني على أرض الواقع.
3. رؤية ماكرون الاستراتيجية: تحالف الردع الأوروبي والموازنة العالمية
ما وراء الصفقات العسكرية المباشرة، كشفت زيارة زيلينسكي عن الأجندة الجيوسياسية الأوسع للرئيس ماكرون: تعزيز دور فرنسا كقوة قيادية في تشكيل العمارة الأمنية الأوروبية.
أ. تحالف أمني لـ 30 دولة
تتصدر رؤية ماكرون فكرة تشكيل تحالف أمني طويل الأمد يضم حوالي 30 دولة لدعم أوكرانيا بعد أي اتفاق سلام مستقبلي. هدف هذا التحالف هو ضمان ردع طويل الأمد ضد أي عدوان روسي محتمل، وهو ما يتجاوز التزامات الناتو التقليدية ويؤكد على ضرورة وجود قوة أوروبية ذاتية وقادرة على الفعل. هذا الطرح يسعى إلى خلق مظلة أمنية تُرسخ الاستقرار الإقليمي، وتؤكد على القدرة الأوروبية المستقلة على إدارة الأزمات وضمان استقرار الحدود الشرقية للقارة دون الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة.
ب. سياسة التوازن الدبلوماسي المعقد
تتزامن جهود ماكرون العسكرية والاستراتيجية مع سعيه المتواصل لتعزيز نفوذه الدبلوماسي في بؤر التوتر العالمية الأخرى، ما يعكس الرغبة الفرنسية في الاضطلاع بدور الوسيط والمحاور الرئيسي على الساحة الدولية.
وفي الوقت الذي يحشد فيه ماكرون تحالفاً واسعاً لدعم أوكرانيا، تستمر باريس في محاولاتها لتثبيت الاستقرار الإقليمي في مناطق أخرى. فجهود ماكرون لم تقتصر على أوروبا، بل امتدت إلى ملفات شديدة التعقيد. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى الجهود الدبلوماسية الموازية، كالمحادثات التي جرت بين وساطة ماكرون بالتعاون مع مستشارين أمريكيين بارزين مثل كوشنر، لتثبيت الهدنة في الضفة الغربية. هذا التوازن بين التزامه العسكري القوي في أوكرانيا ودوره الدبلوماسي المتعدد الأطراف يعكس طموحاً فرنسياً لامتلاك سياسة خارجية متكاملة تضع باريس في مركز الثقل العالمي وصانعاً للمحاور، بدلاً من مجرد تابع للتحالفات القائمة.
الخلاصة: عهد الردع الطويل
تعد زيارة زيلينسكي في نوفمبر 2025 حدثاً مفصلياً، حيث أكدت فرنسا التزامها ليس فقط بإنقاذ أوكرانيا، بل بتسليحها لتمتلك قوة ردع ذاتية ومستدامة على مدى العقد القادم. الاتفاقات، رغم غموضها التمويلي، ترسم مساراً واضحاً نحو تزويد كييف بمنظومات أسترا 30 الفعالة، والتحضير لمرحلة مقاتلات رافال المتقدمة.
بالنسبة لفرنسا، فإنها تضمن لنفسها دور القيادة الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب، وتفتح سوقاً ضخماً لصناعاتها الدفاعية وتثبت مكانتها كقوة أوروبية محورية. أما التحدي الأكبر لزيلينسكي فيبقى في موازنة هذه الخطط الطموحة مع الواقع الميداني القاسي الذي يتطلب موارد فورية، وتحويل وعود الدعم الطويلة الأجل إلى حماية ملموسة اليوم وغداً. إن الشراكة الفرنسية-الأوكرانية تدخل الآن مرحلة "الردع الطويل"، حيث الهدف ليس النجاة فحسب، بل التفوق في سماء أوروبا الشرقية.
