رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

           الضباب سلاح روسيا الجديد: تحليل السيطرة على ثلاث بلدات في زابوريجيا ودلالات التكتيكات المتغيرة



في تطور نوعي، استغلت القوات الروسية الغطاء الكثيف للضباب لاختراق المواقع الأوكرانية في منطقة زابوريجيا الجنوبية، مؤكدة أن العوامل الطبيعية تلعب دوراً حاسماً في حرب الاستنزاف الحالية.


المقدمة: تحول المبادرة على الجبهة الجنوبية

تشهد الجبهات الأوكرانية، مع دخول مرحلة متقدمة من الخريف والشتاء، تحولاً في ميزان القوى والتكتيكات، خاصة في منطقة زابوريجيا الاستراتيجية، التي كانت مسرحاً للهجوم المضاد الأوكراني الفاشل عام 2023. في تطور نوعي، أفاد قائد القوات الأوكرانية بالسيطرة الروسية على ثلاث بلدات في هذه المنطقة الجنوبية الحيوية. لم يكن هذا التقدم مجرد خرق تقليدي، بل كان إنجازاً تكتيكياً نسبه القائد الأوكراني إلى الاستغلال الأمثل لظاهرة جوية بسيطة لكنها حاسمة: الضباب الكثيف.

إن هذه الحادثة تضع التغيرات البيئية في قلب التخطيط العسكري، مؤكدة أن حرب الاستنزاف الحالية ليست صراعاً للتكنولوجيا والمدفعية فحسب، بل هي أيضاً معركة تكيُّف واستغلال للعوامل الطبيعية. هذا المقال يقدم تحليلاً معمقاً لكيفية تحول الضباب إلى سلاح استراتيجي، ودلالات السيطرة الروسية على هذه البلدات في المشهد الأوسع للحرب.

1. الكثافة التكتيكية للضباب: تحييد تفوق الاستطلاع الأوكراني

يعتبر اعتراف القيادة الأوكرانية بأن الضباب كان عاملاً حاسماً بمثابة إقرار بنجاح مناورة تكتيكية روسية ذكية، استهدفت نقطة القوة الأوكرانية الأبرز: التفوق في الاستطلاع الجوي والطائرات المسيّرة (الدرونز).

أ. تحييد ملكة المعركة الحديثة (الدرونز)

في الحرب الحالية، تعتبر الطائرات المسيّرة، وخاصة طائرات FPV (First Person View)، هي ملكة المعركة. فهي توفر الاستطلاع اللحظي، وتوجيه النيران الدقيقة، وقدرة ضرب الأهداف المتحركة. الضباب الكثيف يحقق الآتي:

  • إلغاء الرؤية البصرية: يعيق الضباب تشغيل الدرونز التي تعتمد على الرؤية النهارية والحرارية، مما يجعل رصد تحركات المشاة والمدرعات الروسية على خطوط التماس أمراً مستحيلاً.
  • تعطيل دقة المدفعية: باختفاء عيون الدرونز، تعجز القوات الأوكرانية عن توجيه نيران مدفعيتها الغربية الدقيقة (مثل قذائف Excalibur أوظمة HIMARS) بدقة عالية، مما يجبرهم على العودة إلى القصف العشوائي الأقل فعالية.

ب. الإفلات من القيود التكنولوجية

باختفاء الدرونز من السماء بسبب انعدام الرؤية، تنجح القوات الروسية في إزالة أهم قيد كبَّلها طوال عامين من القتال، وهو القدرة الأوكرانية على استهداف أي تحرك علني. هذا يفتح الباب أمام:

  • حركة القوات الخاصة: يتيح الضباب لوحدات التسلل والمشاة المتقدمة (مثل وحدات Spetsnaz أو V-DV) الاقتراب من الخنادق الأوكرانية دون كشف، مما يضمن معارك اشتباك قريبة سريعة ومباغتة، يصعب على القوات المدافعة صدها في الوقت المناسب.
  • تقليل الخسائر: نجاح الاختراق يتم بأقل قدر من الخسائر، مما يزيد من فعالية العملية ويعزز الروح المعنوية للقوات المهاجمة.

لتحليل أعمق حول وضع الجبهات الأوكرانية وإمكانيات القتال في الظروف القاسية، يمكنكم مراجعة تحليلنا السابق: تحديات القتال في الشتاء وكيف يغير الطقس معادلات الحرب

2. الدلالات الاستراتيجية: مؤشر على عودة الزخم الروسي

إن السيطرة على ثلاث بلدات في زابوريجيا هي أكثر من مجرد مكسب تكتيكي، بل تحمل دلالات استراتيجية عميقة في سياق الجمود العام للجبهة:

أ. تحول الأهداف العملياتية

تظهر العملية أن روسيا حولت هدفها من السيطرة السريعة على مساحات شاسعة إلى العمليات الموضعية الهادفة التي تعتمد على استنزاف الخصم واستعادة المبادرة ببطء. هذه الاستراتيجية تتسق مع طبيعة حرب الاستنزاف وتؤكد على أن:

  1. المكاسب الصغيرة تراكمية: كل بلدة يتم السيطرة عليها تقصر خطوط الإمداد الروسية وتطيل خطوط الدفاع الأوكرانية، مما يزيد الضغط على كييف لتوزيع مواردها الشحيحة.
  2. اختبار "الدفاع المرن": في مناطق مثل محور روبوتين/فيربوفيه، تحتاج أوكرانيا إلى الحفاظ على دفاع صلب، وليس "مرناً" يسمح بالانسحاب، لأن أي تراجع يهدد بعودة روسيا إلى المواقع التي خسرتها في 2023.

ب. حرب المعلومات والرسائل السياسية

تستغل موسكو هذه الانتصارات المحلية بشكل مكثف في حرب المعلومات:

  • داخليًا: لرفع الروح المعنوية وإظهار أن القوات الروسية قادرة على التقدم رغم العقوبات الغربية.
  • خارجيًا: لترسيخ رسالة مفادها أن الدعم الغربي لكييف غير فعال، وأن النتيجة النهائية للحرب ستكون لصالح روسيا، مما يضغط على الحكومات الغربية لإعادة النظر في حجم المساعدات أو الضغط على كييف للتفاوض.

3. التحديات القادمة للقيادة الأوكرانية

إقرار القيادة الأوكرانية بوقوع الخرق يضعها أمام تحديات فورية وعميقة يجب التعامل معها سريعاً لمنع تكرار الموقف:

أ. الحاجة إلى تكنولوجيا مضادة للضباب

الاعتماد على الدرونز أصبح مكلفاً جداً في ظل الظروف الجوية السيئة. تحتاج أوكرانيا بشكل عاجل إلى:

  • منظومات رادارية أرضية: لتعقب المشاة والمدرعات المتقدمة تحت غطاء الضباب، بدلاً من الاعتماد على الاستطلاع الجوي.
  • معدات رؤية حرارية متقدمة: تتيح للمدافعين رؤية الأهداف رغم الضباب الكثيف، وتوزيعها على وحدات الاشتباك الأمامية.

ب. مراجعة توزيع القوات والاحتياطيات

يفرض الاختراق تحدياً على القيادة لتوزيع الاحتياطيات. هل يتم سحب قوات من قطاعات أخرى (مثل أفدييفكا) لسد الثغرة في زابوريجيا؟ هذا القرار محفوف بالمخاطر، حيث أن تحريك الاحتياطيات يضعف قطاعات أخرى معرضة للهجوم.

يجب على القيادة إعادة تقييم فعالية البروتوكولات الدفاعية الشتوية للتأكد من أن القوات ليست مجرد "مدافعة"، بل قادرة على **الرد السريع والمباغت** على أي محاولة اختراق تستغل الظروف الجوية السيئة.


الخلاصة: التكيف هو مفتاح النصر في حرب الشتاء

السيطرة الروسية على ثلاث بلدات في زابوريجيا ليست النهاية، لكنها إشارة تحذير قوية. إنها تؤكد أن الحرب قد تحولت بالكامل إلى صراع تكتيكي يتطلب التكيف السريع مع الظروف البيئية المتغيرة. الضباب كان حليفاً قوياً للمهاجم هذه المرة، وقد يكون الثلج أو الوحل حليفاً آخر في المستقبل.

بالنسبة لكييف، يتطلب الموقف الجديد ضخ استثمارات فورية في التكنولوجيا المضادة للضباب ووضع خطط دفاعية مرنة تتوقع الهجمات في ظروف انعدام الرؤية. أما بالنسبة لروسيا، فإن هذا النجاح المحلي سيعزز من اعتمادها على التكتيكات المتخفية والموضعية في محاولة لكسب المزيد من الأرض قبل نهاية موسم القتال الشتوي. الصراع في أوكرانيا هو الآن معركة الإرادة، والتكنولوجيا، وقبل كل شيء، القدرة على التكيف.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق