رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

هجمات صاروخية روسية جديدة على أوكرانيا: التصعيد يتواصل والضغوط الأوروبية تتزايد 



تحليل متعمق لـ "رمال سياسية" حول استراتيجية القصف الروسي العميق وأثرها على مسار الدعم الغربي والمفاوضات المحتملة.

شهدت الجبهة الأوكرانية ليلة دامية وصادمة من التصعيد العنيف بعد أن أطلقت القوات الروسية ثلاثة صواريخ باليستية باتجاه مدن أوكرانية رئيسية، بما في ذلك العاصمة كييف ومدن صناعية شرقية. أسفرت الهجمات عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة أكثر من 53 مدنياً، وفق البيانات الأوكرانية الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية وخدمات الطوارئ. تشير المعلومات الأولية إلى أن الصواريخ ضربت مناطق سكنية وبُنى تحتية مدنية حيوية، وهو استمرار لنمط الضربات الذي يتجاوز خطوط المواجهة التقليدية ويستهدف العمق الأوكراني في محاولة ممنهجة لإرباك المؤسسات المدنية وكسر عزيمة المدن الكبرى.

---

■ دلالات التصعيد والتأثير النفسي-العسكري

إن توقيت هذه الهجمات ونوعية الأسلحة المستخدمة (الصواريخ الباليستية) تحمل دلالات استراتيجية عميقة. يرى المحللون العسكريون أن الهجمات تدخل ضمن استراتيجية روسية أوسع تعتمد على القصف الكثيف والمتقطع، لا بهدف السيطرة المباشرة على الأرض، بل لزعزعة القدرات اللوجستية والدفاعية لأوكرانيا على المدى الطويل. موسكو بذلك ترسل رسالة واضحة للغرب تؤكد أن لديها القدرة على تغيير قواعد الاشتباك متى تشاء، وأن أوكرانيا بأكملها تظل هدفاً محتملاً.

تصريح مقترح (محلل عسكري): "لم تعد هذه الضربات مجرد إجراءات تكتيكية. إنها استراتيجية إجهاد. الهدف هو إرهاق مخزونات الدفاع الجوي الأوكراني وإجبار كييف على سحب منظومات حماية مهمة من الجبهة الأمامية إلى المدن الكبرى، مما يخلق ثغرات يمكن لموسكو استغلالها لاحقاً."

كما تأتي هذه الهجمات في وقت تحاول فيه عدة أطراف دولية، بتشجيع من بعض القوى الأوروبية، إعادة فتح قنوات التفاوض الخلفية. لكن استمرار استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية، بحسب خبراء القانون الدولي، لا يعقّد أي مسار دبلوماسي محتمل فحسب، بل يزيد من حجم المخاوف الأوروبية من حرب استنزاف طويلة الأمد.

يضاف إلى ذلك، التأثير النفسي البالغ لهذه الهجمات. إن استخدام صواريخ سريعة وعالية الدقة (مثل الباليستية) يعطي شعوراً بعدم الأمان في عمق المدن، وهو ما يهدف إلى تقويض معنويات السكان ودفع الحكومة الأوكرانية للتنازل في المحادثات المستقبلية.

---

■ الضغوط على أوروبا وتحديات المساعدات لكييف

تشير المصادر الأوروبية إلى أن موجة التصعيد الأخيرة ترفع منسوب الضغط على العواصم الأوروبية لتسريع تسليم منظومات دفاع جوي متطورة لأوكرانيا. التحدي الأكبر يكمن في التعامل مع الصواريخ الباليستية، التي باتت تمثل تحدياً كبيراً للمنظومات الحالية والأقدم التي زود بها الغرب أوكرانيا. هذا النوع من الصواريخ يتطلب منظومات مثل (باتريوت) أو (IRIS-T)، وهي أنظمة قليلة ومكلفة للغاية.

مسؤول في الاتحاد الأوروبي: "كل صاروخ روسي يسقط على كييف هو في الواقع صاروخ يستهدف البنية التحتية الأوروبية للاستقرار. يجب أن نتجاوز ترددنا الداخلي حول تكلفة الدعم. تكلفة عدم تزويد أوكرانيا بالدفاع الجوي اللازم ستكون أعلى بكثير على أمن القارة كلها."

وفي الوقت نفسه، يواجه الاتحاد الأوروبي نقاشات داخلية متواصلة بشأن تكلفة استمرار الدعم لكييف، وسط أزمات اقتصادية تواجه عدة دول في القارة (كالنمو البطيء وارتفاع أسعار الطاقة). ومع كل ضربة روسية جديدة، تصبح هذه النقاشات أكثر حساسية، حيث تظهر أصوات تطالب بوضع "سقف زمني أو مالي" للمساعدات، بينما تصر دول الجناح الشرقي (مثل بولندا ودول البلطيق) على ضرورة تقديم دعم غير مشروط.

هذا التصعيد الأخير يعيد أيضاً تسليط الضوء على الإنتاج الدفاعي الأوروبي. لقد أظهرت الحرب أن قدرة أوروبا على تجديد مخزونها من الذخيرة ومنظومات الصواريخ لا تزال متأخرة عن الحاجة الفعلية. هناك ضغوط متزايدة من بروكسل على الدول الأعضاء لتوحيد جهود الإنتاج لتلبية متطلبات الجبهة الأوكرانية وضمان الأمن الأوروبي الذاتي.

---

■ البُعد الجيوسياسي والدبلوماسي

من الناحية الجيوسياسية، فإن توقيت التصعيد ليس عشوائياً. إنه يتزامن مع تحركات دبلوماسية غربية مكثفة (مثل زيارات القادة إلى واشنطن وكييف) ويهدف إلى تقويض أي مكاسب دبلوماسية محتملة لأوكرانيا في المحافل الدولية.

خبير علاقات دولية: "موسكو تلعب ورقة الإرهاب العسكري كأداة تفاوض. هي تقول عملياً للغرب: طالما أنتم تدعمون كييف، فإننا سنصعّد مستوى الألم الذي يعانيه المدنيون. وهذا يضع الدول الأوروبية أمام معضلة أخلاقية وسياسية: هل يرتكبون تصعيداً مضاداً، أم يدفعون كييف نحو التفاوض من موقع ضعف؟"

تظل مسألة العقوبات أيضاً في الواجهة. فمع استمرار الضربات على البنية التحتية، تزداد الدعوات لفرض حزم عقوبات أشد قسوة على القطاع المالي والطاقي الروسي، لكن العديد من الدول الأوروبية تواجه تحديات في تطبيق عقوبات جديدة دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية المباشرة.

كما يُظهر هذا التصعيد أن الناتو (NATO) يجد نفسه مضطراً لإعادة تعريف مفهوم الأمن في القارة. الحلف، وإن كان لا يشارك مباشرة في القتال، باتت دوله الأعضاء على تماس مباشر مع تداعيات الحرب، من أمن الطاقة إلى الهجرة غير الشرعية والمخاطر السيبرانية. كل صاروخ يسقط هو تذكير بأن الخطر على أوروبا الشرقية لم يتبدد، بل تزايد.

---

■ الخلاصة والآفاق المستقبلية

الهجمات الباليستية الأخيرة لا تبدو حدثاً عسكرياً معزولاً، بل جزء من تصعيد منهجي ومدروس يستهدف إعادة رسم ميزان الضغط على الأرض وفي الميدان السياسي. موسكو تستغل الفترة الشتوية وتحديات الإمداد الغربي للضغط على مفاصل الضعف الأوكرانية والأوروبية.

بينما تواصل كييف الاعتماد على الدعم العسكري والمالي الغربي لمواجهة التصعيد، تبدو موسكو عازمة على اختبار حدود هذا الدعم وإثبات أن استراتيجيتها القائمة على الصبر والقصف العميق قادرة على تحقيق أهدافها.

إن الرد الأوروبي المتوقع لن يكون قاصراً على تزويد أوكرانيا بأسلحة جديدة فحسب، بل يتطلب أيضاً وضوحاً استراتيجياً أكبر حول نهاية هذه الحرب، سواء كانت عبر التفاوض أو عبر دعم أوكرانيا في بناء قوة ردع ذاتية قوية. المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة الغرب على الصمود أمام استراتيجية الإجهاد الروسية هذه.

— رمال سياسية | تحليل متواصل للمشهد الدولي

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق