ماذا تريد الجزائر من صفقة إطلاق سراح صنصال؟
قراءة في الحنكة السياسية للرئيس تبون 🇩🇿
في خطوة غير متوقعة لكنها مدروسة بعناية، أعلنت السلطات الجزائرية عن إطلاق سراح الكاتب رشيد صنصال بعد وساطة ألمانية رسمية. قرار وصفه مراقبون بأنه مزيج من الحنكة السياسية والرؤية الإنسانية التي باتت تُميز دبلوماسية الجزائر الجديدة بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون. لكن خلف هذه المبادرة، تختبئ دلالات أعمق من مجرد بادرة إنسانية، إذ تُجسّد رؤية دولة تعرف كيف توازن بين السيادة والمبادئ والواقعية السياسية.
من هو رشيد صنصال ولماذا يثير الجدل؟
رشيد صنصال أحد أبرز الكتّاب الجزائريين المثيرين للجدل، عُرف بانتقاداته اللاذعة للواقع السياسي والاجتماعي في الجزائر، وبمواقفه التي اعتبرها كثيرون مسيئة لذاكرة الشعب الجزائري وتضحياته. من هذا المنطلق، بدا أن ملفه سيظل مغلقاً لفترة طويلة، غير أن الدولة الجزائرية اختارت طريقاً مختلفاً حين قررت فتح صفحة جديدة دون أن تطوي مبادئها.
«لا يمكن لأحد أن يشكّك في تاريخ شعبٍ، ولا يمكن أن يُهان الجزائريون»
هذا التصريح يُلخّص بدقة الخلفية السياسية والفكرية التي تتحرك منها الجزائر: الذاكرة ليست للمساومة، لكن الدولة لا تُمارس الانتقام.
من القانون إلى الإنسانية.. القوة في التسامح
كان بإمكان الجزائر أن تُبقي على موقفها القانوني تجاه صنصال، غير أن الرئيس تبون، المعروف بقدرته على الموازنة بين الصرامة والرحمة، اختار أن يبعث رسالة مختلفة. ففي الوقت الذي حافظت فيه الجزائر على هيبتها القانونية والسيادية، اختارت في الوقت نفسه أن تُظهر أن العدالة يمكن أن ترافقها الرحمة، وأن الدولة الواثقة من نفسها تسامح لأنها قوية، لا لأنها ضعيفة.
وقد أكدت الرئاسة الجزائرية أن القرار جاء استجابة لطلب من الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، في مبادرة إنسانية صريحة، موضحة أن الرئيس تبون "استجاب إيجابياً للطلب، من منطلق القيم الإنسانية التي تميز الجزائر".
— تصريح رسمي، وكالة الأنباء الجزائرية، 12 نوفمبر 2025.
الجزائر تُرسل رسائل ذكية إلى الخارج
قرار إطلاق سراح صنصال لم يكن خطوة معزولة عن السياسة الخارجية الجزائرية، بل جزءاً من رؤية دبلوماسية متكاملة. فالجزائر تدرك أن صورتها الدولية تُبنى على الجمع بين الصلابة في المبدأ والانفتاح في التعامل. لقد أرادت من خلال هذه الخطوة أن تُظهر للعواصم الأوروبية، ولا سيما برلين وباريس، أن الجزائر قادرة على الحوار الإنساني دون المساس بالسيادة.
«أتقدّم بشكري العميق للرئيس تبون على هذه الخطوة الإنسانية التي تُظهر وجه الجزائر المسؤول والمتوازن»
بهذا التصريح، تُثبت الجزائر أن سياستها لا تمر مرور الكرام في أوروبا، بل تُسجَّل كـ مبادرات سيادية محسوبة تُكسبها احترام الخصوم قبل الأصدقاء.
الداخل الجزائري: دولة قوية تسامح لأنها واثقة
في الداخل، تباينت المواقف بين مؤيد ومعارض للقرار. غير أن ما اتفق عليه الجميع هو أن الجزائر تتعامل كدولة مؤسسات لا كدولة انفعالات. فالرئيس تبون لم يتخذ قراره من باب المجاملة، بل من منطلق رؤية استراتيجية لبناء الجزائر الجديدة التي تتّسم بالحكمة والثقة.
«هدفي الأسمى هو أن تستعيد الجزائر عظمتها»
هذه الرؤية تعكس فلسفة الرجل: فـ القوة ليست في العقوبة، بل في القدرة على العفو عندما تكون الدولة في موقع التفوق والسيطرة.
البعد الدبلوماسي والاستراتيجي: ورقة القوة الناعمة
من الناحية الدبلوماسية، تُجسّد “صفقة صنصال” إدراك الجزائر لأهمية ما يُعرف في العلاقات الدولية بـ"القوة الناعمة". فالدول الحديثة لا تُقاس فقط بعدد صفقاتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا بقدرتها على إدارة الرموز والملفات الحساسة بعقلانية. وقد نجحت الجزائر في تحويل قضية صنصال من ملفٍ حقوقي قابل للاستغلال إلى ورقة سياسية رابحة تُظهر توازنها في التعامل مع أوروبا.
«أمننا الجماعي كلٌّ لا يتجزأ، ولا يمكن أن يكون انتقائياً»
بهذا المفهوم، فإن قرار إطلاق سراح صنصال يدخل ضمن استراتيجية أشمل تُقدّم الجزائر كقوة استقرار إقليمي، تؤمن بأن العدالة والرحمة وجهان لسيادة واحدة.
الجزائر بين المبدأ والبراغماتية
منذ تولي الرئيس تبون الحكم، أثبتت الجزائر أنها قادرة على الجمع بين الثبات المبدئي والمرونة الدبلوماسية. فهي لا تفرّط في تاريخها، لكنها تتعامل مع الحاضر بلغة المصالح والعقل. ولذلك، فإن إطلاق سراح صنصال لا يعني التراجع عن الثوابت، بل إثبات أن الدولة يمكنها أن تكون رحيمة دون أن تكون ضعيفة.
هذه الخطوة تُذكّر بسياسة الجزائر تجاه عدد من الملفات الإقليمية، من ليبيا إلى مالي والصحراء الغربية، حيث ظل الموقف الجزائري ثابتاً: حلول سلمية تحفظ الكرامة وتمنع الوصاية. إنها السياسة نفسها التي تُطبّق اليوم داخلياً في التعامل مع القضايا الحساسة، في ظل وعي بأن الاستقرار الوطني يبدأ من التسامح الواعي لا من الإقصاء.
بناء الصورة الدولية الجديدة للجزائر
لطالما سعت الجزائر إلى استعادة مكانتها كقوة مؤثرة في العالم العربي وإفريقيا. وفي هذا السياق، فإن كل خطوة محسوبة من هذا النوع تندرج ضمن مشروع الدولة الجديدة الذي يقوده تبون، والقائم على:
- تعزيز السيادة الوطنية.
- بناء جسور الثقة مع الشركاء الدوليين.
- تقديم نموذج جزائري في العدالة والإنسانية.
وهكذا، تُثبت الجزائر اليوم أنها تُحسن استخدام أدوات السياسة الناعمة دون أن تتنازل عن كبريائها الوطني.
خاتمة: الجزائر... دولة تسامح لأنها قوية
صفقة إطلاق سراح صنصال لم تكن صدفة، بل نتاج تخطيط سياسي وإنساني متقن. لقد أراد الرئيس تبون أن يُظهر للعالم أن الجزائر ليست دولة منغلقة على الماضي، بل دولة تنظر إلى المستقبل بثقة. هي لا تنسى من أساء إليها، لكنها تختار أن تسمو فوق الجراح، لأنها تدرك أن العظمة في التسامح، والسيادة في الحلم الطويل.
«الجزائر لا تُدار بالعواطف، بل بالعقل»
بهذه الروح، تمضي الجزائر نحو بناء قوتها الإقليمية، وتُعيد تعريف مفهوم الدولة العصرية: دولة تمتلك السيادة، وتحكمها القيم، وتتحرك بالحنكة.
