رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

 ترقية 11 مقاطعة: إعادة هيكلة جغرافية.. هل تعيد الولايات الجديدة رسم خريطة التنمية والقوة في الجزائر؟



تحليل استراتيجي معمق لقرار توسيع التقسيم الإداري: رهان على اللامركزية لإنهاء التهميش أم مجرد تضخم في الجهاز البيروقراطي؟

■ الخلفية التاريخية والقرار الجديد

تعد عملية ترقية **11 مقاطعة** إلى مستوى **ولايات جديدة** واحدة من أكبر عمليات إعادة الهيكلة الإدارية التي شهدتها الجزائر مؤخراً، لتضاف إلى التقسيمات السابقة والولايات المنتدبة. هذه الولايات الجديدة، والتي تشمل: **آفلو، بريكة، قصر الشلالة، مسعد، عين وسارة، بوسعادة، الأبيض سيدي الشيخ، القنطرة، بئر العاتر، قصر البخاري، والعريشة**، تمثل مناطق جغرافية حيوية تعاني تاريخياً من التهميش.

هذه الخطوة ليست مجرد تغيير في الأسماء على الخريطة، بل هي محاولة استراتيجية لإعادة توجيه موارد الدولة وتقريب الخدمات الإدارية من المواطن، خصوصاً في مناطق السهوب والهضاب العليا التي كانت تُدار من مراكز إدارية بعيدة. الهدف المعلن يتمحور حول فك العزلة و**تحرير الطاقات الاقتصادية الكامنة**، لكن التساؤل الجوهري يظل: هل هذه الإصلاحات الإدارية قادرة وحدها على حل مشكلات التنمية الهيكلية والتحول نحو نموذج لامركزي فعال؟

■ الأبعاد السياسية والإدارية: إنهاء مركزية السلطة الجغرافية

1. تحقيق اللامركزية الإجرائية وتقريب الإدارة

يكمن الهدف الإداري الأساسي في **تقليل المسافة الإدارية**. ففي السابق، كان سكان هذه المقاطعات (مثل سكان **آفلو** أو **بئر العاتر**) يضطرون لقطع مسافات شاسعة للوصول إلى مركز الولاية الأم. بتحويل هذه المقاطعات إلى ولايات، يتم نقل صلاحيات **"الوالي" (المحافظ)** وكافة المديريات التنفيذية إلى المنطقة مباشرة، مما يسرّع عملية صنع القرار الإداري ويمنح السكان إحساساً أقوى بالتمثيل المحلي ويقلل من عبء التنقل.

2. تفكيك نفوذ الولايات الكبرى وخلق توازن إقليمي

كانت بعض الولايات الكبرى تسيطر على مساحات شاسعة، مما أدى إلى تركز السلطة والموارد في عواصمها على حساب المناطق البعيدة. هذا التقسيم يهدف إلى **تفتيت النفوذ الإقليمي القديم** وخلق مراكز نمو جديدة قادرة على المنافسة وجذب الاستثمارات، مما يساهم في إحداث **توازن جغرافي وسياسي** يقلل من احتمالية ظهور احتجاجات اجتماعية نابعة من الشعور بالإهمال الإقليمي. هذا التوازن يدعم استراتيجية الدولة في تأمين ولاء المناطق الداخلية.

3. البعد الجيوسياسي والأمني للمناطق الحدودية

توزيع الولايات الجديدة، خاصة في مناطق مثل **بئر العاتر** و**الأبيض سيدي الشيخ** و**العريشة**، يخدم استراتيجية أمنية عليا. إن إنشاء ولايات جديدة يعني ضخ المزيد من المرافق الأمنية والإدارية المتكاملة، وتواجد مكثف للدولة، مما يعزز **السيطرة الحدودية** في مواجهة تحديات مكافحة الإرهاب والتهريب العابر للحدود والجريمة المنظمة، خاصة بالقرب من مناطق النشاط المتزايد. كما أن هذا الانتشار الإداري يدعم طموح الجزائر في أن تكون **بوابة اقتصادية آمنة للقارة الأفريقية**.

■ الرهان الاقتصادي: تحرير الاستثمار وتخصيص التنمية

من الناحية الاقتصادية، تراهن الحكومة على أن التقسيم الجديد سيشكل رافعة حقيقية للاستثمار من خلال منح كل ولاية جديدة هويتها الاقتصادية الخاصة بها:

  • **تنويع الميزانيات التنموية:** تصبح كل ولاية كياناً مالياً مستقلاً بميزانية سنوية مخصصة للتنمية المحلية، مما يضمن أن أموال التنمية لا تُحتكر في مراكز الولايات القديمة.
  • **تفعيل القطاعات الواعدة:** تستهدف هذه الولايات الجديدة قطاعات محددة. فمثلاً، **بئر العاتر** تستهدف **الموارد المعدنية**، في حين تستهدف مناطق مثل **مسعد** و**عين وسارة** قطاع **الزراعة الاستراتيجية** (التي تتطلب قرارات سريعة بشأن الأراضي والمياه) و**تربية الأغنام**، مما يسمح بتخصيص رؤية اقتصادية واضحة لكل ولاية بناءً على إمكاناتها المحلية.
  • **تحسين بيئة الأعمال:** المستثمر المحلي والأجنبي سيتعامل مع ولاية أصغر حجماً، مما يقلل من تعقيدات سلاسل الموافقات البيروقراطية التي كانت تمر عبر مديريات بعيدة وغير فعالة. هذا يساهم في بناء **ثقة أكبر** لدى القطاع الخاص بأن مشاريعه ستحظى بالاهتمام الإداري اللازم.

■ التحديات والمخاطر: ثمن الهيكلة وعيوب التنفيذ

رغم النوايا المعلنة، يواجه هذا الإصلاح تحديات implementation (تنفيذ) قد تعيق تحقيق أهدافه وتؤدي إلى نتائج عكسية:

1. التكلفة المالية والضغط على الميزانية

إن إنشاء 11 ولاية جديدة يتطلب ميزانية ضخمة وفورية لإنشاء المقرات الإدارية، مقرات الأمن والدفاع المدني، الفروع البنكية، وتوفير المساكن للكوادر المنتقلة. هذا الضغط المالي يتزامن مع حاجة الدولة لاستثمار مبالغ طائلة في مشاريع استراتيجية أخرى. قد يؤدي تشتيت الموارد إلى بطء في بناء البنى التحتية الأساسية في مناطق مثل **قصر الشلالة** أو **بوسعادة**، مما يترك الولايات الجديدة هياكل دون وظائف كاملة، وقد يؤخر تحقيق العوائد المرجوة من عملية التقسيم.

2. ندرة الكوادر الإدارية المتخصصة

النجاح الإداري يعتمد على جودة الكوادر، وليس على الهيكل فقط. هناك تحدٍ كبير في إيجاد كفاءات إدارية عليا (ولاة، أمناء عامون، مديرو مصالح) تتمتع بالخبرة الكافية وتكون مستعدة للانتقال والعمل في المناطق الداخلية والجنوبية. هذا قد يؤدي إلى تعيين كوادر أقل خبرة، مما يضعف كفاءة الولايات الجديدة ويهدد بتحولها إلى مراكز لـ "إعادة تدوير" البيروقراطية القديمة في مناطق جديدة.

3. خطر تضخم البيروقراطية ونقص الشفافية

الخطر الأكبر هو أن يؤدي التقسيم إلى **مضاعفة البيروقراطية القديمة** بدلاً من إلغائها. فبدلاً من التعامل مع مركز واحد، قد يضطر المستثمر إلى التعامل مع 11 مركزاً جديداً يفتقر إلى التدريب والخبرة، وجميعها لا تزال تنتظر الموافقات النهائية من العاصمة. كما أن غياب الرقمنة الشاملة والمحكمة في الولايات الجديدة قد يخلق **ثغرات في المساءلة**، مما يفتح الباب أمام الفساد الإداري الذي يلتهم الميزانيات التنموية، خاصة أن الشفافية تكون أصعب في الأقاليم النائية.


■ الخلاصة: إصلاح طموح يتطلب نموذجاً جديداً للحوكمة

إن ترقية المقاطعات وإطلاق ولايات جديدة هي خطوة طموحة وضرورية لمعالجة الخلل التنموي المزمن في الجزائر، وتعكس رغبة سياسية في خلق عدالة جغرافية وضبط أمني للمناطق الحدودية الحيوية. إنها تمثل بداية لمسار طويل نحو **اللامركزية الإقليمية**.

لكي ينجح هذا الرهان، يجب أن يتجاوز القرار البعد الإداري المحض. يجب أن يقترن بـ **تفويض حقيقي للسلطة المالية والتنفيذية** للولاة الجدد، وتوفير حوافز جاذبة للكوادر، والأهم من ذلك، تبني **الحوكمة الرقمية** لضمان الشفافية وسرعة الإجراءات. دون هذه المقومات، تخاطر الجزائر بتحويل الولايات الجديدة إلى مجرد مراكز إدارية صغيرة ومكلفة، بدلاً من أن تكون مراكز ديناميكية لصنع الثروة والقرار ومنافسة اقتصادية حقيقية للولايات الساحلية.

— رمال التحليلية | تفكيك أبعاد الإصلاح الإداري والتنمية في الجزائر

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق