رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

أثر ظهور دولة جديدة في المغرب العربي: تحديات "اليوم التالي" لاستقلال الصحراء الغربية

نشر في: رمال سياسية | تحليل مستقبلي للتحديات البنيوية


1) مدخل: لماذا يهمنا "ما بعد الاستقلال"؟

الاستقلال في السياق الجيوسياسي ليس نهاية الصراع فحسب، بل هو بداية لمرحلة **إعادة بناء بنيوية** معقدة. دولة جديدة بحاجة إلى مؤسسات، اقتصاد مستقل، نظام عدلي فعّال، وسياسة خارجية واضحة. هذه المرحلة حاسمة لضمان بقاء الدولة واستدامة حقوق شعبها، وهو ما يجعل التركيز على **"اليوم التالي"** ضرورة تحليلية لا غنى عنها.

2) أولويات الدولة الناشئة: التثبيت القانوني والإداري

  • السيادة القانونية والإدارية: أول عمل هو تثبيت سيادة القانون عبر دستور ينص على فصل السلطات، وحماية حقوق الإنسان، والالتزام بالمعاهدات الدولية. هذا الأساس يمنع الفوضى ويؤسس للقبول الدولي.
  • استعادة الموارد وإدارتها: الموارد الطبيعية الحيوية (فوسفات «فوس بوكراع»، المصايد البحرية، وإمكانات النفط) ستكون المحور الاقتصادي. يجب إدارة هذه الموارد بشفافية عبر هيئة وطنية مستقلة لضمان استثمار العوائد في الصحة والتعليم، ومنع "نهب الموارد".
  • إدارة العودة ودمج المقاتلين: تتطلب عودة مئات آلاف اللاجئين من مخيمات تندوف خطة مرحلية طوعية وآمنة، مقرونة ببرامج إسكان وإدماج اقتصادي. بالتوازي، يجب دمج مقاتلي الكفاح في المجتمع والأجهزة الأمنية لضمان الاستقرار الداخلي وتفادي ظهور مجموعات مسلحة خارج سلطة الدولة.

3) تحدي الاقتصاد والدبلوماسية في مرحلة البناء

"في المراحل الأولى، سيعتمد الاقتصاد على ثلاثة مصادر رئيسية: صادرات الفوسفات والأسماك، الاستثمارات الأجنبية في الطاقة المتجددة (رياح/شمس)، والمساعدات الإنمائية الموقتة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لإعادة الإعمار."

**على الصعيد الدبلوماسي:** يتطلب السعي للاعتراف الدولي الموسع خطة نشطة توازن بين الحفاظ على علاقات قوية مع الداعمين التقليديين (مثل الجزائر) وبناء علاقات متوازنة مع القوى الأوروبية والأفريقية. الدبلوماسية الناجحة تعتمد بشكل حاسم على إظهار **وجود حكومة فعّالة ومستقرة**.

4) العدالة والمصالحة: حماية النسيج الاجتماعي

لبناء شرعية داخلية مستدامة، يجب تنفيذ برنامج **عدالة انتقالية** يشمل: لجنة تحقيقات مستقلة لفحص انتهاكات حقوق الإنسان أثناء النزاع، آليات مساءلة عادلة بعيداً عن المحاكمات الانتقامية، وبرامج تعويض وضمانات اجتماعية للمتضررين. نجاح هذا البرنامج ضروري لضمان **المصالحة الوطنية** ومنع دورات جديدة من العنف.

5) التحدي الجيوسياسي: الحدود والسلام المستدام مع المغرب

حتى بعد إعلان الاستقلال، ستبقى مسألة الحدود والملكية الأرضية وقضايا الأقلية المغربية (إن وجدت) بحاجة إلى معالجة. منطقياً، يُطلب **تفاهمات ثنائية** واضحة حول الحدود واتفاقيات اقتصادية مشتركة حول الموارد العابرة، خاصة وأن أي حل أحادي الجانب سيعيد التوتر إلى المنطقة. دور بعثة MINURSO والمجتمع الدولي في هذه المرحلة الانتقالية سيكون حاسماً لدعم الترتيبات الأمنية والانتخابية المؤقتة.

مخاطر استراتيجية: حوكمة شفافة ضرورية

هناك أربع مخاطر رئيسية تهدد استدامة الدولة الجديدة:

  • الضغط الدولي المعارض: محاولات لفرض عقوبات أو عزل دبلوماسي من فاعلين معارضين للاستقلال.
  • التحويل الديموغرافي: الحاجة لبرامج واضحة لحماية الملكية وحقوق الأشخاص بعد عقود من سياسات التوطين.
  • الفساد وسوء الإدارة: خطر كامن في مراحل الاستخراج السريع للدخل من الموارد الطبيعية، ما يتطلب تأسيس نظام حوكمة شفاف منذ اليوم الأول.
  • التنمية المتفاوتة: ضمان سياسات توزيع عادل للاستثمار لمنع تقدم المدن الساحلية على حساب المناطق الداخلية.

خلاصة رمال سياسية: الطريق أمام الدولة الصحراوية المستقلة لن يكون سهلاً، بل مليئاً بالتحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية. لكن التخطيط الواقعي، والحوكمة الشفافة، والدبلوماسية الفعّالة يمكن أن تحول الاستقلال من مجرد شعار إلى واقع يومي يحمل معه حكماً للقانون وفرصاً أفضل لشعبها. إن نجاح هذه الدولة الوليدة هو مفتاح لإعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية للمغرب العربي ككل.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق