كولومبيا والصحراء الغربية: تصريح بيترو يُعيد رسم ملامح الدعم الدولي للقضية الصحراوية
![]() |
| صورة للرئيس الكولومبي رفقه ممثل جبهة البوليساريو في أمريكا اللاتينية |
تحليل معمق لدلالات الموقف الكولومبي الجديد تجاه الصحراء الغربية، وربطه بدعمها التاريخي للقضية الفلسطينية، في إطار سياسة خارجية ملتزمة بالعدالة وحق تقرير المصير.
مقدمة تحليلية: موقف لا يُستهان به
شهدت العلاقات الدولية في الأسابيع الأخيرة حدثًا سياسيًا بارزًا، يتمثل في تصريح رئيس كولومبيا، **غوستافو بيترو**، حول دعم الشعب الصحراوي في سعيه نحو الاستقلال الوطني. الإعلان جاء في منشور رسمي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أكد بيترو أنه التقى مع **محمد زروق**، الوزير المكلّف بأمريكا اللاتينية والكاريبي لدى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وأعرب عن **دعمها التاريخي لنضال الشعب الصحراوي منذ عقود**.
هذا التصريح ليس مجرد موقف شخصي لرئيس دولة؛ بل يُعتبر **خطوة دبلوماسية هامة** تضع كولومبيا ضمن الصفوف الأمامية لدعم الحق في تقرير المصير للشعوب العربية تحت الاحتلال، وعلى رأسها **الصحراء الغربية**، ويعيد إلى الأذهان محطات دعم كولومبيا التاريخية للقضية الفلسطينية، ما يعكس سياسة خارجية متسقة تجاه قضايا العدالة الدولية وحقوق الشعوب.
■ خلفية تاريخية: الصحراء الغربية والقضية الصحراوية
**الصحراء الغربية**، الإقليم العربي الذي لا يزال تحت الاحتلال المغربي منذ عام 1975، تُعد واحدة من **آخر الملفات الاستعمارية غير المحلولة** في أفريقيا. الشعب الصحراوي، من خلال **الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو)**، ناضل منذ عقود من أجل إقامة دولته المستقلة، وهو ما أكدت عليه **الأمم المتحدة** مرارًا من خلال قرارات تؤكد **حق الشعب الصحراوي في الاستفتاء لتقرير مصيره**.
ومع ذلك، فإن جهود الأمم المتحدة تواجه **عراقيل مستمرة من طرف المغرب**، الذي يرفض تنفيذ استفتاء تقرير المصير، مستغلاً ضعف الضغوط الدولية في بعض المحافل، وهو ما يجعل أي دعم دولي جديد، مثل تصريح بيترو، **خطوة دبلوماسية بالغة الأهمية** لتعزيز شرعية مطالب الشعب الصحراوي.
■ كولومبيا ودورها الدبلوماسي في دعم حقوق الشعوب
كولومبيا، الدولة اللاتينية الواقعة في أمريكا الجنوبية، لها تاريخ طويل من الدعم السياسي للشعوب العربية تحت الاحتلال، وأبرز مثال على ذلك كان دعمها الثابت **للقضية الفلسطينية** على المستويات الدبلوماسية والثقافية والسياسية.
دعم القضية الفلسطينية: إطار ثابت
منذ تأسيس الأمم المتحدة، وقفت كولومبيا مع القرارات الدولية التي تؤكد حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، واعتبرت الاحتلال الإسرائيلي عائقًا أمام تحقيق السلام العادل. وقد أصبح الموقف الكولومبي تجاه **فلسطين** إطارًا لفهم دعمها الجديد للصحراء الغربية، حيث تعكس السياسة الخارجية لكولومبيا التزامها بمبادئ **الشرعية الدولية** و**حق الشعوب في تقرير مصيرها**. تصريح بيترو يندرج ضمن هذه السياسات التاريخية، ويضع الصحراء الغربية ضمن أولويات الدبلوماسية الكولومبية الحديثة، خاصة في ضوء الأهمية المتزايدة لأمريكا اللاتينية في دعم القضايا العربية.
■ مضمون تصريح رئيس كولومبيا غوستافو بيترو
في منشوره الرسمي، أبرز **غوستافو بيترو** عدة نقاط محورية تكشف عن عمق التزام كولومبيا بهذه القضية:
- **الاعتراف بشرعية نضال الشعب الصحراوي:** أكد أنه يدعم منذ عقود حق الصحراويين في تقرير مصيرهم.
- **إبراز دور الأمم المتحدة:** شدد على أن الأمم المتحدة أقرت إجراء **استفتاء** للشعب الصحراوي، وأن **المغرب يعرقل** تنفيذه.
- **البعد الثقافي (الفريد):** نوّه بأن المجتمع الصحراوي هو **المجتمع العربي الوحيد الناطق بالإسبانية**، وهو ما يعزز إمكانية التعاون الثقافي والدبلوماسي بين الشعبين.
- **الزيارة المرتقبة:** أعلن أنه مدعو لزيارة **مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف** في فبراير المقبل، وهو ما يرسل رسالة قوية حول البعد الإنساني والسياسي للقضية.
هذه التصريحات تمثل أقوى موقف رسمي لكولومبيا منذ سنوات طويلة تجاه القضية الصحراوية، وهي تفتح الباب لمزيد من التحركات السياسية والإعلامية لدعم الاستفتاء.
■ أبعاد التصريح السياسية والدبلوماسية
تصريح رئيس كولومبيا يحمل عدة دلالات مهمة على مستوى العلاقات الدولية وقضايا التحرر:
- **دعم الشرعية الدولية:** التأكيد على استفتاء الأمم المتحدة يعيد ملف الصحراء الغربية إلى واجهة السياسة الدولية بعد فترة من الجمود.
- **ضغط دبلوماسي على المغرب:** ظهور دعم دولي جديد من دولة ذات ثقل في **أمريكا اللاتينية** يزيد من الضغط على المغرب لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة وبعثة المينورسو.
- **تأثير إقليمي في أمريكا اللاتينية:** قد يدفع التصريح دولًا أخرى في المنطقة لتبني مواقف مماثلة، خاصة في ظل التوجهات الإقليمية لدعم الشعوب العربية تحت الاحتلال والرافضة للسياسات الاستعمارية القديمة والحديثة.
- **تعزيز الهوية الثقافية:** إبراز اللغة الإسبانية في المجتمع الصحراوي يسهم في تعزيز التبادل الثقافي والسياسي بين أمريكا اللاتينية والصحراء الغربية، مستفيدًا من القواسم اللغوية المشتركة.
■ ربط الصحراء الغربية بفلسطين: سياسة ثابتة لدعم الحقوق
تصريح بيترو لم يأتِ في فراغ، بل يمثل امتدادًا طبيعيًا للموقف الكولومبي تجاه **فلسطين**. فالدول التي تتبنى مبدأ تقرير المصير لا يمكنها تجزئة هذا المبدأ بين قضية وأخرى.
إن دعم كولومبيا للقضية الفلسطينية يظهر التزامًا ثابتًا بمبدأ **حق تقرير المصير للشعوب العربية**. والربط بين دعم الشعب الفلسطيني والصحراوي يعكس رؤية استراتيجية لكولومبيا، حيث تعتبر قضايا الاحتلال العربي مرتبطة ببعضها، ويجب دعمها على المستويين السياسي والدبلوماسي. هذا التوجه يعزز صورة كولومبيا كدولة ملتزمة بالعدالة الدولية وحقوق الإنسان في المحافل الدولية.
محطات تاريخية للدعم الكولومبي
منذ عقود، اتخذت كولومبيا خطوات ملموسة لدعم الشعوب العربية عبر:
- المشاركة الفعالة في مؤتمرات دولية حول فلسطين والقضايا العربية.
- دعم القرارات الأممية الخاصة بحق تقرير المصير والرفض المستمر للاحتلال.
- التعاون مع المنظمات العربية والدولية لتعزيز القضايا الإنسانية والسياسية للشعوب المستعمرة.
تصريح بيترو يضيف محطة جديدة لهذه السلسلة، مع التركيز على **الصحراء الغربية** كملف محوري يُعاني من إهمال دولي يجب تداركه.
■ انعكاسات التصريح على العلاقات الصحراوية-الكولومبية
ستكون لخطوة بيترو، وخاصة زيارته المرتقبة لمخيمات تندوف، نتائج ملموسة على العلاقات الثنائية وعلى صعيد القضية دولياً:
- **تأسيس شراكة استراتيجية:** توقيع اتفاقيات تعاون في مجالات الثقافة والتعليم والتبادل الدبلوماسي، مما يُثبت وجود الجمهورية الصحراوية ككيان له شركاء دوليون فاعلون.
- **منصة دولية للغة الإسبانية:** يمكن لكولومبيا أن تستغل البعد اللغوي المشترك لفتح قنوات دعم جديدة للقضية في منتديات "الفرانكفونية الإسبانية"، مما يعزز حضور القضية في أمريكا اللاتينية.
- **تحفيز دول أمريكا اللاتينية:** الموقف الكولومبي، بوصفها دولة ذات وزن، قد يشجع دولاً أخرى في المنطقة على إعادة تفعيل اعترافها بالجمهورية الصحراوية أو تعزيز علاقاتها معها، مثلما فعلت في فترات سابقة.
تأثير زيارة تندوف: رسالة إنسانية وسياسية لا لبس فيها
إن زيارة رئيس كولومبيا لمخيمات اللاجئين في تندوف، إذا تمت، ستكون بمثابة **أقوى رسالة عملية** لدعم حق تقرير المصير. الزيارة تضع **البعد الإنساني** لمأساة اللاجئين في صدارة الأجندة الدولية، وتُحرج القوى الكبرى التي تتغاضى عن النزاع. كما أنها تمثل تذكيراً صارماً للمغرب بأن الدعم الدولي للقضية الصحراوية لا يزال حياً وفاعلاً، وأن الشرعية الصحراوية تستمد قوتها من صمود شعبها في اللجوء.
■ الخلاصة: إعادة التوازن إلى المعادلة الدولية
تصريح غوستافو بيترو حول الصحراء الغربية يمثل لحظة فارقة في تاريخ الدعم الدولي للقضية. إنها خطوة لا تُقرأ بمعزل عن سياسة كولومبيا الثابتة تجاه قضايا التحرر العربي، وخصوصاً القضية الفلسطينية.
وفي ظل الاعترافات الأخيرة التي حصل عليها المغرب من قوى عالمية كبرى، يأتي الدعم الكولومبي ليعيد قدراً من التوازن إلى المعادلة الدولية، مؤكداً أن **حق تقرير المصير** يظل هو المبدأ الحاكم، وأن محاولات فرض **سياسة الأمر الواقع** لن تنجح ما دام هناك صوت دولي داعم للعدالة والشرعية الأممية. يترقب العالم الآن زيارة بيترو المرتقبة لمخيمات تندوف، والتي ستحدد مدى عمق التزام كولومبيا بتحويل الدعم اللفظي إلى تحرك دبلوماسي فعال يركز على معاناة اللاجئين.
