هل قد تتعرّض موريتانيا لمساءلة قانونية دولية بسبب السماح للمغرب بفتح معابر عبر الصحراء الغربية في منطقة أمگالا؟
يمثّل النزاع في الصحراء الغربية واحدًا من أطول النزاعات الإقليمية في العالم المعاصر وأكثرها تعقيدًا. فمنذ انسحاب إسبانيا من الإقليم عام 1975، وتدخل المغرب وموريتانيا لتقاسم أراضيه، وما نتج عن ذلك من صراع مسلح مع جبهة البوليساريو، ظلّ الوضع القانوني للإقليم معلقًا، بينما حافظ المجتمع الدولي على رأيه الثابت بأن الصحراء الغربية **إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي**، وشعبه لم يمارس بعد حقه في تقرير المصير.
وفي عام 1979، انسحبت موريتانيا من النزاع وأنهت مطالبتها الإقليمية بالصحراء، معترفةً بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. ومنذ ذلك التاريخ، تبنّت نواكشوط سياسة **الحياد الإيجابي** تجاه النزاع، محاوِلة الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو.
إلا أنّ الأحداث التي شهدتها السنوات الأخيرة، خصوصًا ما يتعلق بفتح المغرب معابر ومسارات جديدة في منطقة **أمگالا** داخل الأراضي الصحراوية المحتلة، وربطها بالحدود الموريتانية، أثارت عددًا من الأسئلة القانونية والسياسية، أبرزها:
هل يمكن أن تتعرض موريتانيا لمساءلة قانونية دولية أو لضغوط سياسية بسبب السماح الفعلي أو الضمني بعبور هذه المعابر؟
هذه الإشكالية تنطلق من تداخل القانون الدولي، ووضعية الصحراء الغربية القانونية، والالتزامات المفروضة على الدول تجاه الأقاليم الخاضعة للاحتلال.
الوضع القانوني للصحراء الغربية
تعدّ الصحراء الغربية إقليمًا غير مُتمتع بالحكم الذاتي وفق الأمم المتحدة. ولا يوجد أي اعتراف دولي بسيادة المغرب عليها، رغم احتلاله لجزئها الأكبر منذ منتصف السبعينيات. وقد أكدت محكمة العدل الدولية عام 1975 أنه لا وجود لأي رابطة سيادة بين المغرب والإقليم، وأن الروابط القبلية التاريخية لا ترتقي لشرعية السيادة.
وبالتالي، يبقى الشعب الصحراوي الطرف الوحيد المخوّل لتقرير مستقبل الإقليم، وتمثل جبهة البوليساريو في نظر الأمم المتحدة الممثل الشرعي له.
ومن ثمّ، فإن أي نشاط في الإقليم — سياسي، اقتصادي، تجاري، أو عسكري — يُعدّ قانونيًا خاضعًا لرقابة مبدأ تقرير المصير، ولا يجوز أن يسهم في تكريس السيطرة أو تغيير الوضع القانوني للإقليم بالقوة.
واجبات الدول تجاه إقليم محتل أو متنازع عليه
وفق المبادئ القانونية الدولية، هناك قواعد تضبط سلوك الدول تجاه المناطق التي تخضع للاحتلال العسكري أو وضعية نزاع، ومنها:
- **عدم الاعتراف بسيادة القوة المحتلة:** الدول ليست مجبرة فحسب على الامتناع عن الاعتراف، بل عليها أيضًا الامتناع عن أي سلوك يفهم أنه يقوّي شرعية الاحتلال.
- **عدم المساعدة أو المشاركة في تثبيت الاحتلال:** أي دعم اقتصادي أو لوجستي أو سياسي يمكن أن يُفهم كتعزيز لسيطرة الاحتلال يُعد غير قانوني.
- **احترام حق تقرير المصير:** أي عمل يعطل ممارسة الشعب الصحراوي لهذا الحق يُعتبر انتهاكًا.
وبالتالي، فإن السماح باستخدام طرق تجارية أو ممرات عبور داخل أراضٍ محتلة لصالح القوة المحتلة — إذا ثبت — قد يُفسّر قانونيًا بأنه تعاون غير مباشر على تكريس الاحتلال.
ما معنى معابر أمگالا؟
تقع منطقة أمگالا (أمغالة) في الجزء الشرقي من الصحراء الغربية داخل المنطقة التي يسيطر عليها المغرب عسكريًا. وتُعد من المناطق الحساسة لأنها:
- شهدت معارك تاريخية بين المغرب والبوليساريو.
- تُعتبر قانونيًا داخل الإقليم المحتل.
- قريبة من الحدود الموريتانية، ما يجعل أي نشاط بها ذا صلة مباشرة بموريتانيا.
الحديث عن فتح طرق أو معابر من أمگالا نحو موريتانيا يعني عمليًا استخدام أراضٍ متنازع عليها لخلق منافذ تجارية وميدانية جديدة، وهو ما قد يُعد محاولة لفرض أمر واقع جديد.
طبيعة المخاطر القانونية لموريتانيا
تقوم الإشكالية على سؤال جوهري:
هل يمكن أن يؤدي السماح — أو التغاضي — عن فتح معابر في أمگالا داخل الصحراء الغربية باتجاه موريتانيا إلى اعتبار نواكشوط طرفًا يساهم في تكريس الاحتلال المغربي؟
وللإجابة، يجب فهم عدة عوامل:
1) شبهة الاعتراف الضمني
حتى لو لم تعلن موريتانيا رسميًا اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، فإن السماح بمرور التجارة، أو التنسيق الحدودي، أو إدارة حدودية مشتركة قد يفسَّر بأنه اعتراف ضمني بشرعية الوجود المغربي في الإقليم.
2) مخالفة مبدأ عدم المساعدة
فتح معابر تجارية أو اقتصادية عبر الأراضي المحتلة يُعد دعمًا غير مباشر، يخالف القانون الدولي الذي يلزم الدول بعدم تقديم أي دعم يُعزز سيطرة الاحتلال.
3) الطعن في حياد موريتانيا
السماح بهذا النشاط قد يُعد انحيازًا للمغرب ويضر بعلاقتها مع الجزائر والبوليساريو.
4) الإحراج داخل الأمم المتحدة
قد تُذكر موريتانيا ضمن تقارير أممية كدولة تعاونت في تغيير الوضع القانوني للإقليم.
5) مخاطر على الاستقرار الإقليمي
أي تغيير ميداني يمس الحدود قد يسبب تفاعلات أمنية في المنطقة.
مساءلة دولية: بأي شكل؟
من الناحية التقنية، يصعب تقديم دولة مباشرة أمام القضاء الدولي. لكن هناك عدة مستويات قد تتعرض لها موريتانيا:
- **ضغوط سياسية:** انتقادات دولية ومذكرات احتجاج.
- **توثيق مخالفة:** توثيق سلوكها في تقارير رسمية للأمم المتحدة.
- **مسؤولية غير مباشرة:** تقديم مساعدة لقوة في خرق القانون الدولي يُعد مشاركة غير مشروعة.
- **دعاوى منظمات حقوقية:** قد تتقدم مؤسسات حقوقية بدعاوى حول التعاون مع احتلال غير مشروع.
مقارنة مع معبر الكركرات
معبر الكركرات الذي فتحه المغرب دون تفويض أممي يُعد موضوعًا مثيرًا للجدل. فتح ممر في أمگالا قد يُعد تكرارًا مماثلًا وربما أخطر، لأنه أقرب لموريتانيا ويصعب ضبطه. وبالتالي، تورط موريتانيا فيه قد يُقرأ كإسناد غير مشروع.
انعكاسات محتملة على موريتانيا
- **تآكل الحياد:** سيضرّ بقدرتها على لعب دور الوسيط.
- **توتر مع الجزائر:** قد ترى هذه الخطوة اصطفافًا ضدها.
- **ضغط شعبي وسياسي داخلي.**
- **فقدان المصداقية** الدولية.
- **تحوّلات اقتصادية غير محسوبة.**
رأي القانون الدولي: خلاصة
تُعدّ كل دولة ملزمة بعدم **الاعتراف** أو **التعاون** مع قوة احتلال في أراضي لا تعترف بسيادتها عليها. وبما أن الصحراء الغربية ليست مغربية قانونًا، فإن:
السماح المغربي بفتح معابر تجارية تمر عبر أمگالا نحو موريتانيا دون موافقة الشعب الصحراوي، يُعد خرقًا لمبدأ تقرير المصير، ولواجبات عدم المساعدة على الاحتلال، وقد يعرض موريتانيا للمساءلة أو الضغط الدولي.
خاتمة
تقف موريتانيا أمام لحظة حساسة. إن أي سماح رسمي أو ضمني بفتح معابر عبر أمگالا قد يفسّر أنه اعتراف غير مباشر بسيادة المغرب على الإقليم، وهو ما يتعارض مع مبادئ القانون الدولي.
وعليه، فإن الخيار الأكثر أمانًا لموريتانيا هو:
- اتخاذ موقف واضح.
- إحالة الموضوع إلى الأمم المتحدة.
- والتأكيد على احترام حق الصحراويين في تقرير مصيرهم.
فالأمم لا تُحاسَب فقط بما تعلنه رسميًا، بل أيضًا بما تسكت عنه.
كلمات مفتاحية (SEO):
الصحراء الغربية, أمغالا, أمگالا, موريتانيا, المغرب, معبر الصحراء, القانون الدولي, البوليساريو, النزاع في الصحراء.
