رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

⏳ خمسون عاماً على إعلان المبادئ بشأن الصحراء الغربية: بين الوعد الأممي والنزاع المستمر

في مثل هذا اليوم من عام 1975، شكّل «إعلان مدريد» مفترق طرق. تحليل عميق لأثر الوثيقة التي أنهت الاستعمار الإسباني وخلّفت نزاعاً معقداً لم يُحسم بعد.


مقدمة: الوثيقة المؤقتة التي صنعت نزاعاً دائماً

في مثل هذا اليوم، الجمعة 14 نوفمبر 1975، وقّعت كل من إسبانيا والمغرب وموريتانيا في مدريد ما عُرف بـ «إعلان المبادئ بشأن الصحراء الغربية». كانت وثيقة قصيرة ومؤقتة في صياغتها، لكنها شكّلت نقطة مفصلية وانسحاباً غير مسؤول للقوة الإدارية الإسبانية من تاريخ المنطقة. خمسون عاماً مرت، تغيّرت خلالها الجغرافيا السياسية والتحالفات الإقليمية، لكن أثر هذا الإعلان لا يزال حاضرًا، إذ فتح الباب لنزاع طويل لم يُحل، أكثر مما قدّم حلاً دائمًا.

 


 صورة نادرة لتوقيع إعلان المبادئ في مدريد 

1. الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية: الموقف القانوني الحاسم

قبل إعلان المبادئ، كانت الصحراء الغربية تحت الإدارة الإسبانية باسم “الصحراء الإسبانية”. تصاعدت المطالبات بتقرير المصير، ودعت الأمم المتحدة إسبانيا لإنهاء الاستعمار وإتاحة حق الشعب الصحراوي في اختيار مصيره. شكلت هذه المرحلة ذروة الضغط القانوني على مدريد.

في أكتوبر 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا كان بمثابة حجر الزاوية للموقف القانوني الدولي. أكدت المحكمة أن الصحراء الغربية ليست أرضًا بلا صاحب، وشددت على عدم وجود أي روابط سيادية للمغرب أو موريتانيا على الإقليم، مؤكدة على ضرورة احترام حق تقرير المصير.

"المحكمة تخلص إلى أن الأدلة المعروضة لا تثبت وجود أية روابط سيادية إقليمية بين الصحراء الغربية... [وبالتالي] لا يوجد ما يعوق تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والأصيل عن إرادة سكان الإقليم." — محكمة العدل الدولية، 16 أكتوبر 1975

تجاهلت إسبانيا هذا الحكم الصريح، وبدلاً من إتاحة الاستفتاء الذي طالبت به المجتمع الدولي، سارعت إلى توقيع الإعلان بعد أسابيع قليلة من ضغط "المسيرة الخضراء" المغربية.


2. أبرز نصوص إعلان المبادئ (إعلان مدريد)

كانت الوثيقة عبارة عن تفاهم ثلاثي تم توقيعه في ظرف استثنائي تميز بمرض الجنرال فرانكو وبداية الانتقال الديمقراطي في إسبانيا، مما دفع الحكومة الإسبانية إلى التخلي عن مسؤولياتها بأسرع وقت ممكن. إليك أبرز المقتطفات مترجمة والمحورية للنزاع:

  • إنهاء المسؤوليات الإسبانية: "تؤكد إسبانيا عزمها، كما أعلن مرارًا أمام الأمم المتحدة، على إنهاء الاستعمار في إقليم الصحراء الغربية بإنهاء المسؤوليات والصلاحيات التي تمتلكها بصفتها القوة الإدارية." (تأكيد على التخلي عن الوضع القانوني كقوة إدارية).
  • الإدارة المؤقتة المشتركة: "ستقوم إسبانيا على الفور بإنشاء إدارة مؤقتة في الإقليم، يشارك فيها المغرب وموريتانيا، على أن تنتهي الإدارة الإسبانية بحلول 28 فبراير 1976 كحد أقصى." (تشريع لتقسيم الإدارة بين طرفين مُطالبين).
  • دور اليماعة (الجماعة): "سيتم احترام وجهات نظر السكان الصحراويين، من خلال المجلس المحلي المعروف بالـ 'الجماعة'، أي الجماعة أو الهيئة التي تمثل السكان." (الاعتماد على هيئة عشائرية بدلاً من استفتاء شامل تحت إشراف أممي).

توضيح تحليلي: إن الاعتماد على **"اليماعة"** (الجماعة المحلية)، وهي هيئة تمثل الأعيان التقليديين، كان محاولة لتفادي الاستفتاء الشامل الذي طالبت به الأمم المتحدة، حيث إن هذه الهيئة لا تتمتع بالتمثيل الديمقراطي اللازم للتعبير عن إرادة شعب بالكامل.


 خريطة توضح التقسيم الإداري بين المغرب وموريتانيا عقب إعلان مدريد.]

3. تداعيات الإعلان: تناقضات قانونية وصراع مسلح

شكّل الإعلان مفترق طرق لكنه لم يكن حلاً. فمن الناحية القانونية والدبلوماسية، خلقت الوثيقة وضعاً معقداً لا يزال صداه حاضراً في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي:

فشل الوعد الأممي والهروب الإسباني

بمجرد توقيع الإعلان، غادرت إسبانيا المشهد، لكن الأمم المتحدة لم تعترف قط بـ "إعلان المبادئ" كأداة لنقل السيادة. فبالنسبة للجنة تصفية الاستعمار، تظل إسبانيا هي **"القوة الإدارية بحكم القانون"** (de jure Power)، مما يعني أن مسؤوليتها القانونية بخصوص الاستفتاء ما زالت قائمة.

"إن إسبانيا لم تنهِ مسؤولياتها تجاه الإقليم من خلال إعلان المبادئ، ويبقى الشعب الصحراوي هو صاحب الحق الوحيد في تقرير مصيره." — الموقف الثابت للجمعية العامة للأمم المتحدة (قرارات متتالية)

تحوّل الصراع إلى حرب إقليمية

عقب الانسحاب الإسباني، وقع المغرب وموريتانيا اتفاقية لتقسيم الإقليم. أدى هذا التقسيم، مع غياب جبهة البوليساريو عن الاتفاق، إلى اندلاع **صراع مسلح** دام عقوداً. انسحبت موريتانيا لاحقًا عام 1979 بعد ضغوط عسكرية وسياسية، لتسيطر المغرب على أغلب الإقليم، لكن هذا لم ينهِ النزاع. أصبح خط الهدنة (Muro de Defensa/الجدار) هو الواقع الميداني الذي يجسد النزاع.


4. خمسون عاماً من التحولات الجيوسياسية

على مدى نصف قرن، تغيّرت المعادلات السياسية والجيوسياسية، لكن نزاع الصحراء الغربية حافظ على تعقيده، إذ بات مرتبطاً بالتحالفات الإقليمية ومصالح القوى الكبرى، خصوصاً الموارد الطبيعية والأمن الإقليمي:

  • الجمود في التسوية: رغم تأسيس بعثة **MINURSO** (الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية) عام 1991، إلا أن الجمود مستمر بسبب الخلافات حول من له الحق في التصويت.
  • موقف إسبانيا الجديد: بعد عقود من "الحياد الرسمي"، تحولت إسبانيا في عام 2022 إلى دعم مقترح المغرب للحكم الذاتي كـ "الأساس الأكثر جدية وواقعية". هذا التغير، وفقاً للمراقبين، كان مدفوعاً بضغوط مرتبطة بالهجرة وأمن الحدود.
  • التدخل الأمريكي: شهد النزاع تدخلاً أمريكياً في 2020، حين اعترفت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب بسيادة المغرب على الإقليم، مما أحدث شرخاً جديداً في الموقف الدولي الموحد سابقاً.
"إن القرار بإنهاء الاستعمار لم يكن يجب أن يخدم مصالح القوة الإدارية (إسبانيا) ولا الأطراف المجاورة، بل يجب أن يخدم مصالح الشعب الصحراوي فقط." — المبعوث الأمريكي السابق، إدواردو جارسيا (في سياق التحليل التاريخي).




 صورة من مخيمات اللاجئين في تندوف، تجسيداً للبعد الإنساني للنزاع.]

الخلاصة: إرث من التناقضات

قبل خمسين عامًا، كان إعلان المبادئ خطوة نحو إنهاء الاستعمار، لكنه كان إنهاءً للمسؤولية دون إتمام للواجب. لقد تحول الانتقال المؤقت للسلطة، الذي نص عليه الإعلان، إلى حالة دائمة من النزاع المسلح والجمود الدبلوماسي.

إن الإعلان يذكّر بأن الانتقال المؤقت قد يتحول إلى حالة دائمة إذا لم يركّز على المشاركة الحقيقية للسكان المحليين وضمان حقوقهم، كما يوضح أن الأخطاء الدبلوماسية المرتكبة في لحظات الضعف السياسي (كما حدث في إسبانيا عام 1975) يمكن أن تخلق أزمات جيوسياسية تمتد لقرون، وتظل وصمة على جبين الدبلوماسية الدولية التي لم تنجح في إيجاد حل يُرضي كافة الأطراف ويحترم الشرعية الأممية.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق