رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

غار جبيلات: منجم الحديد وقود التنافس "

نشر في: رمال سياسية | تحليل جيوسياسي معمق

لطالما كانت الحدود بين الجزائر والمغرب منطقة تتشابك فيها المصالح الاستراتيجية مع الإرث التاريخي المعقد. ومع إعلان الجزائر عن خططها الطموحة لاستغلال منجم الحديد العملاق غار جبيلات، الواقع في ولاية تندوف، عاد الجدل حول الملكية الحدودية ليطفو على السطح، مدفوعاً بادعاءات غير رسمية تشير إلى ملكية مغربية لـ "جزء" من الموقع. هذا المقال يفند هذه الادعاءات بالاستناد إلى الأُطر القانونية الدولية، ويحلل الأبعاد الجيوسياسية لظهور هذا الملف مجدداً في خضم التوتر الإقليمي.


1: خريطة جبيلات وعلاقته بالحدود الجزائرية المغربية]

⚖️ المبدأ القانوني: الحسم بـ "السيادة الموروثة"

إن الركيزة الأساسية لأي نقاش حدودي في أفريقيا تظل مرهونة بمبدأ "حرمة الحدود الموروثة عن الاستعمار" (Uti Possidetis Juris). هذا المبدأ، الذي تبنته منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حالياً) بعد الاستقلال، يهدف إلى تثبيت الحدود التي خلّفها المستعمرون، وذلك لضمان عدم اندلاع حروب إقليمية لا نهاية لها.

الجزائر، التي ورثت حدودها الإدارية عن فرنسا الاستعمارية، تطبق هذا المبدأ بشكل صارم. وبما أن غار جبيلات يقع بالكامل ضمن الحدود الإدارية الفرنسية لـ "الجزائر الفرنسية"، فإن سيادتها عليه تعتبر سيادة قانونية دولية غير قابلة للنقض بموجب هذا المبدأ التأسيسي للقارة.

📜 اتفاقية 1972: الوثيقة التي تسدل الستار

على الرغم من حرب الرمال عام 1963 والخلافات التاريخية، فإن الحسم القانوني النهائي لملف الحدود بين البلدين أتى بتوقيع "اتفاقية ترسيم الحدود البرية" في 15 يونيو 1972 بالرباط. تُعد هذه الاتفاقية هي الحجة الدامغة التي تفند أي ادعاء لاحق:

  • الاعتراف المتبادل: نصت الاتفاقية على الاعتراف النهائي وغير المشروط بمسار الحدود كما تم الاتفاق عليه، والذي يضع منطقة تندوف وغار جبيلات بشكل واضح تحت السيادة الجزائرية.
  • المصادقة والتسجيل: صادق عليها البرلمان المغربي في عام 1972 ودخلت حيز التنفيذ رسمياً في عام 1992، وسُجلت كوثيقة دولية في الأمم المتحدة.
  • الطعن ممنوع: تُعد مصادقة الرباط على هذه الاتفاقية بمثابة تخلٍ قانوني وسياسي نهائي عن أي مطالبات إقليمية في هذه المنطقة. أي نقض لها الآن يُعتبر خرقاً جسيماً للالتزامات الدولية.

"الاتفاقية المبرمة في 1972 ليست مجرد خط إداري، بل هي عقد دولي يلزم الدولتين بالاحترام التام للسيادة على الإحداثيات المتفق عليها. القانون الدولي لا يعترف بالادعاءات التاريخية التي تتجاوز العقود والاتفاقيات المصدق عليها."

⛏️ لماذا يظهر ملف غار جبيلات الآن؟ الأبعاد الجيوسياسية

السؤال الأكثر أهمية ليس "من يملك غار جبيلات؟" (فالقانون أجاب)، بل "لماذا يُثار الجدل حوله في هذا التوقيت بالذات؟" الإجابة تكمن في "الرمال السياسية" الملتهبة بين الجزائر والمغرب، والتي تتجاوز قضية الصحراء الغربية إلى التنافس على الزعامة الإقليمية واستقلال القرار الاقتصادي:

1. تعظيم الأوراق الاقتصادية

غار جبيلات يمثل كنزاً استراتيجياً باحتياطي يقدر بأكثر من 3.5 مليار طن من خام الحديد. هذا المشروع العملاق يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الجزائري من الحديد والصلب، وتقليل التبعية للاستيراد، وفتح طريق تصدير جديد نحو الأسواق الأفريقية. هذا التحول الاقتصادي الاستراتيجي يُنظر إليه في سياق التنافس الإقليمي على أنه تعزيز لموقع الجزائر الجيواقتصادي، ما يدفع بعض الأصوات إلى محاولة التشويش على المشروع بذرائع قانونية واهية.

[خريطة السكة الحديدية غار جبيلات 

السكة الحديد الجديد ]

2. ورقة ضغط إعلامية

في ظل القطيعة الدبلوماسية المستمرة، تتحول الحدود من خط جغرافي إلى جبهة إعلامية. إثارة ملف الملكية هو تكتيك يهدف إلى تأجيج الرأي العام وتغذية خطاب التوتر، واستخدامه كورقة ضغط غير مباشرة، لاسيما وأن الاستغلال يتطلب استثمارات ضخمة وتجهيز بنية تحتية.

3. تحويل الانتباه عن القضايا الأهم

في بعض الأحيان، يتم تضخيم القضايا الحدودية التي تم حسمها قانونياً كـ "ستار دخان" لتحويل الانتباه عن ملفات أخرى أكثر إلحاحاً أو حساسية في العلاقة الثنائية، مثل قضية الصحراء الغربية أو التنافس على النفوذ في منطقة الساحل.

في الختام، يُظهر ملف غار جبيلات كيف يمكن أن تتحول الثروة الطبيعية إلى وقود للتنافس الجيوسياسي. من الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد أي أساس للادعاءات التي تناقض اتفاقية 1972. لكن في عالم السياسة، غالباً ما تتجاوز "الرمال السياسية" صلابة القوانين، ليصبح المنجم ليس مجرد مصدر للحديد الخام، بل اختباراً لإرادة كل دولة في فرض سيادتها والتأكيد على مشاريعها التنموية الكبرى.

تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. تم رسم الحدود من السعيدية ال فكيك اما باقي باقية على حالها

    ردحذف