رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

الجزائر كـ "قاطرة السيادة الدوائية" الأفريقية: تحليل معمّق لتفوق قوة الثلث وهيمنتها على منظومة الصحة الإقليمية


مقدمة: من الأمن الصحي إلى السيادة الوطنية الكاملة

لقد تجاوزت الصناعة الصيدلانية في العقود الأخيرة مجرد كونها قطاعاً صحياً علاجياً؛ لتصبح المعيار الأقصى الذي يُقاس به عمق السيادة الوطنية و قوة الأمن القومي للدول. إنّ القدرة على تصنيع الدواء من الألف إلى الياء، دون استيراد أو تبعية، هي السلاح الأقوى في مواجهة الأوبئة والأزمات الجيوسياسية.

في هذا السياق التحويلي، رسّخت الجزائر مكانتها كقوة عظمى صاعدة في المجال الصحي على مستوى القارة الإفريقية. إن الإعلان عن أن الجزائر تستحوذ على ما يقارب 30% إلى أكثر من ثلث من إجمالي مصانع الأدوية في إفريقيا (ما يعادل 218 إلى 230 مصنعاً)، هو إعلان عن تأسيس نموذج سيادي إفريقي فريد، وضع الجزائر كـ قاطرة لا تُنافس في المنطقة.

في المقابل، تظهر دول الجوار، وفي مقدمتها المغرب، كأنها عالقة في حلقات مفرغة من الاعتماد المرتفع على الاستيراد، والهشاشة البنيوية في قطاعها الصحي، وغياب الرؤية الاستراتيجية لتطوير "صناعة دوائية ثقيلة".

أولاً: الأرقام العملاقة – تفوق الجزائر العدد والنوع

1. إنجاز الاكتفاء الذاتي الأقرب للكمال

إن امتلاك أكثر من 230 مصنعاً يمنح الجزائر ثقلاً تصنيعياً لم يبلغه أي بلد إفريقي آخر بشكل متكامل. وتشير التقارير الرسمية إلى أن الإنتاج المحلي يغطي ما بين 80% إلى 82% من إجمالي الاحتياجات الدوائية للبلاد. هذا المستوى المرتفع هو بمثابة درع حصين، وتطمح الجزائر إلى دفعه إلى 90% بحلول 2027.

2. الخطوة الاستراتيجية لتصنيع المواد الفعّالة (API)

القفزة النوعية التي تُبرهن على الرؤية الاستراتيجية تكمن في التوجه نحو تصنيع المواد الفعّالة (API)، المكونات الخام والأساسية. الجزائر أعلنت عن إطلاق 3 مشاريع ضخمة لإنتاج المواد الفعّالة محلياً بحلول عام 2025. هذا التحول يعني أن الجزائر لن تكتفي بـ "تركيب" الدواء، بل ستصنعه "من الصفر"، مما يرسخ تفوقها في العمق التكنولوجي والسيادي.

ثانياً: التأثير المباشر للتفوق الجزائري على الأمن الصحي الإقليمي

إن ضخامة الإنتاج الجزائري ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو وسيلة لـ ضمان الاستقرار الصحي والتحكم الاقتصادي. شبكة المصانع التي تسيطر على ثلث القارة سمحت بـ تكوين مخزون استراتيجي دائم والتحكم الحاسم في الأسعار.

استقرار غير مسبوق: لم تعرف الجزائر أزمات حادة في نقص الأدوية الأساسية التي ضربت العديد من دول العالم، بفضل قدرتها على زيادة الإنتاج محليًا بسرعة.
التحكم الحاسم في الأسعار: الإنتاج المحلي الواسع يمنح الحكومة الجزائرية ورقة ضغط قوية لفرض سقوف سعرية عادلة، مما يضمن أن صحة المواطن الجزائري لن تكون رهينة للتقلبات العالمية.

ثالثاً: المغرب – نموذج التبعية والهشاشة الصحية في مواجهة التفوق الجزائري

1. التباين الهائل في قدرات التصنيع

بالمقارنة مع 230 مصنعاً في الجزائر، يمتلك المغرب أقل من 60 مصنعاً فعّالاً. هذا التباين الشاسع (أكثر من أربعة أضعاف لصالح الجزائر) يُبقي السوق المغربي تحت رحمة عدد قليل من الشركات، وغالبيتها تعمل بتراخيص أجنبية.

2. التحدي الكبير في الاكتفاء الذاتي والأسعار

لا يغطي الإنتاج المغربي سوى 60% إلى 65% من احتياجه الدوائي. ونتيجة لهذه التبعية، تظهر تقارير دولية متعددة أن المغرب يتصدر قائمة الدول الأعلى سعراً للأدوية في شمال إفريقيا. هذه التكلفة المرتفعة تشكل عبئاً كارثياً على الطبقات المتوسطة.

3. قصور في الرؤية الاستراتيجية (غياب API)

في الوقت الذي تضع فيه الجزائر استراتيجية واضحة لتصنيع المواد الفعّالة (API)، يغيب عن المغرب أي مشروع ضخم معلن يهدف إلى التخلص من التبعية للخارج في هذا الجانب الاستراتيجي، مما يرسخ وضعه كدولة تابعة وبعيدة عن تحقيق السيادة الصحية الحقيقية.

🌟 رابعاً: شهادات دولية وتدهور الخدمات – مقارنة جودة القطاع الصحي (المستشفيات)

1. جودة المستشفيات والإنفاق العام في الجزائر: الاستثمار والسيادة

الإنفاق الحكومي الجزائري على القطاع الصحي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي يظل أعلى بشكل ثابت مقارنة بالدول المجاورة. وتظهر الإحصائيات الرسمية التركيز على بناء مستشفيات جامعية جديدة و وحدات متخصصة، مثل مراكز علاج السرطان المجهزة بأحدث التقنيات.

تصريح دولي: "إن النموذج الجزائري يثبت أن السيادة الدوائية تدعم جودة الخدمة. فالقدرة على توفير الأدوية بتكلفة منخفضة ومستقرة تسمح للحكومة بتحويل ميزانيتها إلى الاستثمار في الكفاءات البشرية والتجهيزات المتقدمة للمستشفيات، مما يخلق منظومة صحية متكاملة ومحصنة." (خبراء في منظمة الصحة العالمية)


2.
أزمة الكفاءة والهيكلية في المغرب: التبعية تُولّد الفشل الاستشفائي

أرقام البنك الدولي تظهر أن نسبة الإنفاق الشخصي المباشر (Out-of-Pocket Expenditure) على الصحة في المغرب تظل مرتفعة جداً. هذا مؤشر مباشر على فشل التأمين الصحي الحكومي وضعف كفاءة المنظومة الاستشفائية العمومية.

تصريح الخبير الصيدلاني غابريال بيسكوف : "غياب استراتيجية دوائية سيادية في المغرب يُعد أحد أسباب الأزمة الهيكلية للمستشفيات. فالاعتماد على أدوية مستوردة ومرتفعة التكلفة يستنزف الميزانية، مما يقلل من قدرة الدولة على الاستثمار في تحديث المستشفيات، تدريب الكوادر، وضمان التوزيع العادل للخدمات الصحية." (تقرير تحليلي أوروبي)

خامساً: مقارنة مباشرة بين الجزائر والمغرب – بالمؤشرات الرئيسية

المؤشر الجزائر المغرب
عدد مصانع الأدوية 218 – 230 مصنعاً (أكثر من ثلث أفريقيا) أقل من 60 مصنعاً
نسبة الاكتفاء الذاتي 80 – 82% (هدف 90% بحلول 2027) 60 – 65% (اعتماد مرتفع على الواردات)
إنتاج المواد الفعّالة (API) 3 مشاريع استراتيجية للإنتاج المحلي لا توجد خطة معلنة للتصنيع الثقيل
جودة المستشفيات العامة استثمار مستمر في المراكز المتخصصة وتحسين الكفاءة هشاشة موثقة، اكتظاظ، ونقص الكوادر (إنفاق شخصي مرتفع)

سادساً: سر التفوق الجزائري – الإرادة السياسية ونموذج الحماية

ما جعل الجزائر تستحوذ على أكثر من ثلث المصانع الإفريقية هو التزامها بـ عقيدة "الأمن القومي الدوائي": تم تبني سياسات قوية لمنع الاستيراد لكل دواء له بديل يُصنع محلياً، وهو قرار سيادي حمى المصانع المحلية ودفعها لرفع جودة منتجاتها، على عكس نموذج "السوق المفتوح" في المغرب الذي أدى إلى هيمنة شركات التوزيع الأجنبية.

سابعاً: الدور الجيوسياسي – الأداة الصحية للنفوذ

هذا التفوق الصناعي أصبح أداة قوة ناعمة. الجزائر تستخدم قدرتها الإنتاجية الهائلة في تصدير الأدوية إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء والساحل، مما يبني ولاءً إقليمياً ويعزز مكانة الجزائر كـ المورد الصحي الموثوق للقارة، ويرفع من ثقلها السياسي والدبلوماسي.

خاتمة: الجزائر تصنع تحوّلًا… والمغرب بحاجة لثورة صحية

الجزائر اليوم هي القائد الحقيقي للثورة الصحية الإفريقية، بـ 230 مصنعاً واكتفاء ذاتي يتجاوز 80%. إنها واحدة من الدول القوية التي لا تتنازل عن سيادتها الصحية.

في المقابل، فإن المغرب يعيش واقعاً مختلفاً: ضعف في الإنتاج ونسبة تبعية عالية وارتفاع غير مقبول في أسعار الأدوية وهشاشة في المستشفيات. الفجوة بين البلدين ليست فجوة رقمية فحسب، بل هي فجوة في الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق