رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

    الظل الأخير للديكتاتور: فرانكو والصحراء الغربية.. 50 عاماً من الذاكرة والهروب من المسؤولية



تحليل تاريخي معمق بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاة فرانسيسكو فرانكو (نوفمبر 1975 - نوفمبر 2025).

مع اقتراب إسبانيا من إحياء الذكرى الخمسين لوفاة الديكتاتور **فرانسيسكو فرانكو**، تتحول هذه المناسبة إلى ساحة معركة سياسية جديدة لإرساء قيم الذاكرة الديمقراطية. لكن أهم ملف ما زال يطارد إرث فرانكو، وهو الملف الذي شهد أسوأ خيانة استعمارية في تاريخ إسبانيا الحديثة: **الصحراء الغربية**.

لم يكن التخلي عن الإقليم مجرد قرار إداري؛ بل كان هروباً مدروساً من المسؤولية في لحظة ضعف سياسي غير مسبوقة، استغلها المغرب ببراعة لإجبار الدولة الإسبانية المترنحة على التوقيع على ما عُرف بـ **اتفاقيات مدريد**.

المحور الأول: الذاكرة الديمقراطية وجرح الـ 50 عاماً

يعد عام 2025 عاماً محورياً في إسبانيا، ليس فقط لأنه يمثل مرور نصف قرن على انتهاء الديكتاتورية، بل لأنه اختبار لـ "قانون الذاكرة الديمقراطية" (Ley de Memoria Democrática) الذي يسعى لتعزيز القيم الديمقراطية ومواجهة السرديات اليمينية المتطرفة التي تحاول تجميل حقبة الحكم الشمولي.

رئيس الوزراء **بيدرو سانشيز** يركز على ضرورة استرداد الذاكرة لضحايا القمع الفرانكوي، وإزالة الرموز الاستبدادية المتبقية. لكن النقاش حول فرانكو لا يمكن أن يكون كاملاً دون معالجة إرثه الاستعماري الذي لا يزال يشكل ورطة دبلوماسية وقانونية لإسبانيا.

تفسير العلاقة المتناقضة لفرانكو بالشمال الإفريقي

قضى فرانكو سنوات تأسيسه العسكرية في المغرب خلال **حرب الريف** (1920s)، حيث صعد في الرتب كقائد للقوات النظامية (Regulares). لقد شكلت تجاربه في شمال إفريقيا رؤيته للعسكرية والوطنية، وكان يعتبر المستعمرات، بما في ذلك الصحراء الإسبانية، جزءاً "مقدساً" من الهوية الإمبراطورية لإسبانيا.

هذه النظرة جعلته يصر على الاحتفاظ بالإقليم بأي ثمن. وعلى الرغم من أن إسبانيا كانت تصف نفسها كـ "قوة صاعدة"، إلا أن رفضها المستمر لطلب الأمم المتحدة إجراء استفتاء عادل وشفاف، وضعها في عزلة دولية متزايدة، خصوصاً بعد انطلاق موجة تصفية الاستعمار في إفريقيا.

المحور الثاني: الصحراء الغربية في قبضة الديكتاتورية

خلال فترة حكم فرانكو، كانت الصحراء الغربية (الصحراء الإسبانية) تُدار كـ **مقاطعة إسبانية**، حيث كانت مدريد تستثمر في البنية التحتية المحلية (خصوصاً في استخراج الفوسفات في بوكراع) للحفاظ على سيطرتها. وقد مارست إسبانيا قمعاً شديداً لأي حركات وطنية أو مطالبات بتقرير المصير، خصوصاً بعد تأسيس جبهة البوليساريو في عام 1973 وبدئها الكفاح المسلح.

التأجيل المتعمد وتزايد الضغط الدولي

منذ عام 1965، طالبت الأمم المتحدة إسبانيا بتنظيم استفتاء. استراتيجية فرانكو كانت تقوم على **المماطلة والتأجيل** لأطول فترة ممكنة، مستخدماً حججاً بيروقراطية وإدارية. لكن هذه الاستراتيجية وصلت إلى نقطة الانهيار مع اشتداد مرض الديكتاتور في خريف 1975، وتزامن ذلك مع عاملين حاسمين:

  • **الحكم الاستشاري لمحكمة العدل الدولية:** في 16 أكتوبر 1975، صدر حكم محكمة لاهاي، الذي أكد وجود روابط تاريخية بين المغرب وموريتانيا والإقليم، لكنه أكد في الوقت نفسه أن هذه الروابط لا تكفي لنفي حق الصحراويين في تقرير المصير. هذا الحكم زاد من الضغط على مدريد وفتح نافذة أمام المغرب لادعاء الحقوق التاريخية.
  • **تفاقم مرض فرانكو:** بدأت الأزمة الصحية للجنرال في الدخول مرحلة حاسمة، مما أدى إلى فراغ قيادي فعلي في إسبانيا، حيث كان رئيس الوزراء **آرياس نافارو** يتولى السلطة، وهو شخصية ضعيفة لا تتمتع بالكاريزما ولا القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية في مواجهة التهديد الخارجي.

المحور الثالث: التسلسل الزمني للخيانة (أكتوبر – نوفمبر 1975)

الانسحاب الإسباني من الصحراء لم يكن عملاً ديمقراطياً مدروساً، بل كان هروباً متسرعاً تم تنفيذه بين غرفة الإنعاش في المستشفى العسكري وحفل التوقيع في القصر الرئاسي. هذا التسلسل الزمني هو جوهر المسؤولية التاريخية التي تقع على إرث فرانكو:

أهم المحطات قبل وفاة فرانكو:

  • **أكتوبر 1975:** تدهور صحة فرانكو بشكل لا رجعة فيه؛ تبدأ الأجهزة الحكومية الإسبانية العمل في حالة من الفوضى والارتباك.
  • **6 نوفمبر 1975:** الملك الحسن الثاني يطلق **"المسيرة الخضراء"**، وهي ضغط مدني هائل على الحدود يهدف إلى إجبار إسبانيا على التفاوض تحت التهديد. لم يكن للنظام المترنح أي قدرة عسكرية أو سياسية على مواجهة هذه الخطوة.
  • **14 نوفمبر 1975:** توقيع **"اتفاقيات مدريد"** السرية بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا. هذه الاتفاقيات نقلت بموجبها إسبانيا الإدارة المدنية للإقليم إلى الدولتين المجاورتين، وتعهدت بالانسحاب الكامل بحلول فبراير 1976. والأهم: تم تجاهل الالتزام بإجراء الاستفتاء.
  • **20 نوفمبر 1975:** وفاة الجنرال فرانكو رسمياً.
  • نقطة التركيز التاريخية: تم توقيع الاتفاقية الحاسمة التي تخلت بموجبها إسبانيا عن الالتزام بتقرير المصير، قبل ستة أيام فقط من وفاة الديكتاتور. هذا التزامن يكشف أن الهروب من الصحراء كان آخر قرار "كبير" اتخذته الحكومة الفرانكوية نيابة عن الديكتاتور الميت سريرياً، بهدف تفادي حرب في آخر أيام النظام.

    يرى المؤرخون أن اتفاقيات مدريد كانت، في جوهرها، تصفية حسابات بين الأطراف لتقاسم الإقليم، مستغلين الضعف الإسباني الذي بلغ ذروته مع العجز الصحي والسياسي لرأس النظام الفرانكوي.

    المحور الرابع: الإرث الدائم والمسؤولية القائمة

    لا يزال التخلي عن الصحراء يمثل عبئاً سياسياً وإنسانياً على الديمقراطية الإسبانية الناشئة، وهو العبء الذي وُرث مباشرة من تلك اللحظات الفوضوية في خريف 1975.

    التبعات الإنسانية والقانونية

    أسفر الانسحاب الإسباني المذل وغير المنظم عن حرب واسعة النطاق بين جبهة البوليساريو والقوات المغربية والموريتانية (التي انسحبت لاحقاً)، وأدى إلى أزمة لاجئين ضخمة في مخيمات تندوف بالجزائر، وهو وضع مستمر منذ خمسة عقود. قانونياً، تظل إسبانيا هي: **القوة المديرة للقانون (de jure Power)** للإقليم، ما لم يتم إجراء الاستفتاء. أي أن الفشل في تصفية الاستعمار بشكل مناسب في 1975، وضع إسبانيا في وضع قانوني ودبلوماسي متناقض ومحرج دولياً.

    ظل فرانكو على مواقف اليوم

    يمكن تفسير التقلبات في الموقف الإسباني الحديث بأنها محاولات مستمرة للتملص من هذا العبء التاريخي:

    • الموقف التقليدي: لعقود، تبنت إسبانيا موقفاً محايداً شكلياً يدعو إلى حل أممي، مع الإبقاء على علاقات حساسة مع المغرب والجزائر.
    • **تحول سانشيز (2022):** قرار بيدرو سانشيز المفاجئ لدعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، والذي أثار غضباً واسعاً، يمكن اعتباره محاولة جديدة وقوية لإنهاء "الملف الفرانكوي" نهائياً، عبر الانحياز لطرف على حساب الالتزام التاريخي لـ "الاستفتاء". هذا التحول نفسه يمثل إرهاصاً للمعارك السياسية حول الذاكرة التي ستشهدها الذكرى الخمسون لوفاة الديكتاتور.
    "الذاكرة الإسبانية اليوم منقسمة: بين من يريد استعادة ذكرى ضحايا فرانكو في الداخل، وبين من يريد نسيان ضحايا هروب فرانكو من مسؤولية الاستعمار في الخارج."

    خاتمة: إسبانيا ومأزق الخمسين عاماً

    إن إحياء الذكرى الخمسين لوفاة الجنرال فرانكو لا يتعلق فقط بمآسي الحرب الأهلية والقمع الداخلي، بل يتعلق أيضاً باللحظة التي استسلمت فيها الديكتاتورية المريضة للابتزاز الجيوسياسي، مضحية بحق شعب في تقرير مصيره. الهروب من الاستفتاء في نوفمبر 1975 هو الإرث المباشر والأكثر إثارة للجدل الذي تركه فرانكو للمملكة الإسبانية الديمقراطية. وتبقى إسبانيا مطالبة، في الوقت الذي تحتفل فيه بذاكرتها الديمقراطية، بتصحيح خطيئة النظام الديكتاتوري في حق شعب الصحراء الغربية.

    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق