رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

جيوسياسة السموم: كيف يهدد "طريق الحشيش" الأمن القومي من ضفة المتوسط إلى عمق الساحل الإفريقي

فريق التحليل الاستراتيجي | نوفمبر 2025
[
خريطة توضح مسار التهريب إلى الجزائر الساحل و أوروبا و المغرب كمصدر 

مقدمة: لم تعد قضية الاتجار بالمخدرات، وتحديداً القنب الهندي (الحشيش) ومشتقاته، مجرد فصل من فصول الجريمة العابرة للحدود في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط. لقد تجاوزت كونها نشاطاً اقتصادياً غير مشروع لتتحول إلى "سلاح دمار شامل اجتماعي" وأداة جيوسياسية فتاكة. يمتد هذا "القوس الملتهب" من السواحل الجنوبية لإسبانيا، التي تمثل الرئة المالية، مروراً بالمملكة المغربية (بؤرة الإنتاج العالمي)، ليصطدم بالجدار الدفاعي الجزائري، وينتهي به المطاف وقوداً للجماعات الإرهابية في صحراء موريتانيا ومالي.

في هذا التقرير المفصل، نغوص في عمق هذه المنظومة المعقدة، ونحلل بالأرقام والوقائع مسؤولية الأطراف المختلفة، وخاصة المسؤولية الدولية والقانونية للمغرب كمنتج رئيسي يغرق المنطقة، وكيف يدفع الجوار ثمن هذا "الانفلات الاستراتيجي".

المحور الأول: إسبانيا.. غرفة العمليات والتدوير المالي

غالباً ما يُنظر إلى إسبانيا على أنها "الضحية" المستقبلة للمخدرات، لكن التحليل الأمني المعمق يكشف عن دور محوري تلعبه شبه الجزيرة الإيبيرية في ديمومة هذه التجارة.

1. بنك المافيات (The Laundromat)

تعتبر منطقة "كوستا ديل سول" (Costa del Sol) وموانئ الجزيرة الخضراء المركز العصبي لغسيل الأموال الناتج عن تجارة الحشيش المغربي.

إحصائية صادمة: وفقاً لتقديرات "اليوروبول" (Europol)، فإن عائدات تجارة الحشيش في أوروبا تتجاوز 10 مليارات يورو سنوياً، يتم تبييض جزء كبير منها في العقارات والشركات الوهمية بجنوب إسبانيا.

2. الهجرة العكسية للسموم (القرقوبي)

المسؤولية الإسبانية تبرز بوضوح في ملف "المؤثرات العقلية". تشير التقارير إلى أن إسبانيا هي المصدر الأول للأقراص المهلوسة (Rivotril, Clonazepam) التي يتم تهريبها "عكسياً" نحو شمال إفريقيا. يتم تهريب هذه الأقراص لخلطها أحياناً مع الحشيش لزيادة فاعليته الإدمانية، أو لبيعها بشكل مستقل في أحياء المغرب والجزائر، مما يخلق جيلاً من المدمنين يتسم بالعنف الشديد.

المحور الثاني: المغرب.. مسؤولية المنبع وسياسة "الإغراق"

هذا هو المحور الأكثر جدلاً وأهمية. فبينما يقدم المغرب نفسه كشريك في مكافحة الإرهاب والهجرة، تشير البيانات الدولية إلى واقع مغاير تماماً فيما يخص ملف المخدرات، حيث تبرز مسؤوليته كدولة منتجة عجزت -أو لم ترغب- في كبح جماح الإنتاج.

1. الأرقام لا تكذب: المنتج الأول عالمياً

رغم محاولات التقنين الأخيرة (قانون 2021/2022)، لا يزال المغرب يتربع على عرش إنتاج "راتنج القنب" (الشيرا).

  • المصدر الأممي: وفقاً لـ "التقرير العالمي للمخدرات" (World Drug Report) الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، يستحوذ المغرب على الحصة الأكبر من المضبوطات العالمية للحشيش.
  • المساحات المزروعة: تشير تقديرات المرصد الأوروبي للمخدرات والإدمان (EMCDDA) إلى أن المساحات المزروعة، ورغم تقليصها الرسمي، لا تزال تتجاوز 47,000 هكتار في مناطق الريف (كتامة، شفشاون، الحسيمة).
  • تطور خطير: الأخطر هو إدخال "بذور هجينة" (Hybrid seeds) تضاعف كمية المادة المخدرة (THC) ثلاث مرات مقارنة بالنبتة التقليدية.

2. تحليل المسؤولية السياسية والأمنية

"كيف تتحرك شاحنات تحمل أطنانًا من المخدرات لمئات الكيلومترات من جبال الريف حتى الحدود الشرقية أو الجنوبية دون علم أجهزة الدولة؟ هذا التساؤل يطرح فرضية التواطؤ الهيكلي."

تشير دراسات (مثل أبحاث مبادرة الشراكة العالمية) إلى أن اقتصاد الريف المغربي يعتمد بنسبة هائلة على هذه الزراعة، مما يجعل الدولة مترددة في القضاء عليها خوفاً من انتفاضة اجتماعية، مفضلة "تصدير الأزمة" للخارج بدلاً من حلها داخلياً.

المحور الثالث: الجزائر.. في مواجهة حرب الاستنزاف

باعتبارها الجار المباشر وصاحبة أطول شريط حدودي، تتحمل الجزائر العبء الأكبر لسياسات المخدرات في المنطقة.

استراتيجية الإغراق (Flooding Strategy)

الكميات المحجوزة من طرف الجيش الوطني الشعبي الجزائري ومصالح الجمارك تتجاوز منطق "التهريب التقليدي".

أرقام رسمية (2021-2024): تشير الحصائل العملياتية لوزارة الدفاع الوطني الجزائرية إلى حجز ما متوسطه 50 إلى 70 طناً سنوياً من الكيف المعالج عبر الحدود الغربية. هذه الكميات الضخمة تدل على "طبيعة صناعية" للتهريب.

يفرض هذا الوضع على الجزائر نشر عشرات الآلاف من الجنود وتجهيزات مراقبة إلكترونية باهظة الثمن. هذه الموارد المستنزفة في "حرب المخدرات" كان يمكن توجيهها للتنمية، مما يجعل المخدرات سلاحاً لاستنزاف قدرات الدولة.

المحور الرابع: موريتانيا والساحل.. وقود للإرهاب

حينما يتم تضييق الخناق على الحدود الجزائرية الشمالية، تتجه القوافل جنوباً عبر الصحراء الغربية نحو موريتانيا وشمال مالي، وهنا تبدأ أخطر مراحل الرحلة.

تحالف "البارونات" و"الأمراء"

تصل المخدرات القادمة من المغرب إلى شمال موريتانيا، ثم تعبر نحو شمال مالي. في مناطق سيطرة الجماعات المسلحة (مثل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" أو فروع "داعش")، لا تمر القوافل إلا بدفع "ضريبة المرور".

تقدر تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة بشأن مالي أن الجماعات الإرهابية تجني ملايين الدولارات سنوياً من تأمين قوافل الحشيش المغربي. هذه الأموال تتحول مباشرة إلى:

  • شراء أسلحة متطورة من السوق السوداء في ليبيا.
  • تجنيد مقاتلين جدد برواتب مغرية.
  • تنفيذ هجمات ضد جيوش المنطقة (مالي، بوركينا فاسو، النيجر).

خاتمة تحليلية: المسؤولية والحلول الغائبة

إن "طريق السموم" هذا ليس مجرد مسار تجاري، بل هو حزام ناسف يطوق المنطقة. تبدأ القصة بإنتاج مفرط في حقول الشمال المغربي، وتمر عبر محاولات إغراق الجزائر، لتنتهي بتمويل الرصاص الذي يقتل الأبرياء في الساحل الإفريقي.

المسؤولية هنا مشتركة، لكن العبء الأكبر يقع قانونياً وأخلاقياً على عاتق "دولة المنبع"، المطالَبة بتجفيف المستنقعات قبل أن تفيض على الجيران.

المصادر والمراجع المعتمدة في التحليل:

  • تقرير المخدرات العالمي (World Drug Report) - مكتب الأمم المتحدة (UNODC).
  • التقرير الأوروبي للمخدرات (European Drug Report) - المرصد الأوروبي (EMCDDA).
  • تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بمالي (UN Panel of Experts on Mali).
  • الحصائل العملياتية السنوية - وزارة الدفاع الوطني الجزائرية (MDN).
  • تقارير المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة (GI-TOC).
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق