رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

⚠️ 38,041 انتهاكاً و"اختبار المصداقية الأخير": صرخة "كوديسا" المدوية وتكلفة الصمت الأممي في الصحراء الغربية



🔴صرخة الحقوق في رمال النسيان

في خضم النزاع الإقليمي الأطول عمراً في أفريقيا، يبرز صوت الحقوق الصحراوية ليقطع صمت الدبلوماسية الدولية. مؤخراً، أصدر تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان (CODESA) تقريراً ضخماً ومفصلاً يحمل عنواناً مدوياً: "الصحراء الغربية: آخر اختبار لمصداقية منظومة الأمم المتحدة". هذا التقرير، الذي يوثق أكثر من 38,041 جريمة وانتهاكاً لحقوق الإنسان على مدى نصف قرن (من 1975 إلى 2025)، ليس مجرد سرد للأرقام، بل هو اتهام مباشر للمجتمع الدولي بالفشل والتقاعس.

تضع "رمال سياسية" هذا التقرير تحت مجهر التحليل العميق. إن الـ 38 ألف انتهاك الموثقة، من الإعدام خارج القانون إلى التهجير القسري ونهب الموارد، تفرض إعادة تقييم جذرية لولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) ودورها المشلول في حماية المدنيين. هذا المقال سيتناول الأبعاد التاريخية والقانونية والجيوسياسية لهذا التقرير، محللاً السياق الذي دفع منظمة كـ "كوديسا" لإطلاق هذا الإنذار الأخير حول "مصداقية" الأمم المتحدة.

الفصل الأول: تشريح الأرقام المأساوية

يبدأ تقرير كوديسا بوضع إطار زمني واسع، يغطي خمسة عقود من الاحتلال العسكري والإدارة المغربية للصحراء الغربية. هذا المنهج الزمني يهدف إلى إظهار أن الانتهاكات ليست حوادث فردية، بل هي سياسة ممنهجة وطويلة الأمد. الأرقام التفصيلية التي قدمتها كوديسا ترسم صورة قاتمة للوضع الحقوقي:

1. الجرائم الجسيمة والأمن الشخصي:

  • الإعدام والاختفاء القسري: يوثق التقرير 317 إعداماً خارج القانون، إضافة إلى تسجيل 390 حالة اختفاء قسري طويل المدى، مما يشير إلى استمرار الإفلات من العقاب.
  • الاعتداء الجسدي والاعتقال: يشمل سجل الانتهاكات 8,506 انتهاكات للسلامة الجسدية والأمان الشخصي، و4,565 اختطاف قصير الأجل، إلى جانب 1,242 حالة اعتقال سياسي.

2. الانتهاكات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية:

التقرير لا يقتصر على الانتهاكات المدنية والسياسية، بل يتعرض بالتفصيل للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يتماشى مع التوجه الحديث في توثيق النزاعات.

  • التهجير القسري: وثق التقرير 8,100 تهجير قسري للشباب الصحراوي، وهي سياسة تهدف إلى تغيير التركيبة الديمغرافية.
  • نهب الموارد: أكدت كوديسا على سياسة التمييز الاقتصادي والاجتماعي، مشيرة إلى نهب الموارد الطبيعية بالتواطؤ مع شركات أجنبية. (المصدر: المنبر الصحراوي، تقارير كوديسا).

3. فخاخ الموت والعزل:

تم توثيق 636 ضحية للألغام الأرضية. الأهم هو منع 837 مراقب أجنبي من الدخول للتوثيق، مما يؤكد سياسة التعتيم والحد من وصول الجهات الحقوقية الدولية.

الفصل الثاني: مينورسو وتحدي "المصداقية الأممية"

1. الولاية القاصرة لبعثة مينورسو:

النقد الرئيسي الموجه للبعثة هو غياب تفويض لحماية حقوق الإنسان. ليس لدى مينورسو آلية واضحة ومكلفة لمراقبة الانتهاكات، على عكس بعثات حفظ السلام الأخرى.

أشار تقرير صادر عن منظمة دولية بارزة (مثل هيومن رايتس ووتش) إلى أن وجود بعثة بدون تفويض لحقوق الإنسان يمثل "نقطة ضعف خطيرة" في هيكلها، مما يترك المدنيين الصحراويين دون أي حماية مباشرة من الأمم المتحدة. (المصدر: تقارير دولية، يُفضل البحث عن روابط 2023/2024).

2. تناقضات الدبلوماسية الدولية:

  • الفيتو والدول الكبرى: تجميد تفويض حقوق الإنسان في مينورسو هو نتيجة لضغوط دبلوماسية من دول كبرى مؤثرة في مجلس الأمن، تعمل على الحفاظ على الوضع الراهن.
  • توصيات كوديسا: الدعوة إلى إنشاء **آلية دائمة ومستقلة لمراقبة حقوق الإنسان**، وإرسال **لجنة دولية لتقصي الحقائق**.

الفصل الثالث: السياق الجيوسياسي والدعم الدولي

1. تجربة تيمور الشرقية والربط القانوني:

تجديد موقف تيمور الشرقية الداعم لتقرير مصير الصحراويين (راجع: تيمور الشرقية تؤكد دعمها المطلق) يكتسب أهمية بالغة، حيث تتبنى القضية من منطلق المبدأ القانوني لتصفية الاستعمار.

يرى القادة التيموريون أن الكفاح الصحراوي هو امتداد لكفاحهم من أجل الحرية والاستقلال، مؤكدين على أن القانون الدولي يوجب تطبيق حق تقرير المصير غير القابل للتصرف (المصدر: تصريحات رسمية).

2. التوترات الإقليمية وتأثيرها:

عودة المواجهات العسكرية زادت من صعوبة الوضع الحقوقي، إذ تزداد احتمالات وقوع الانتهاكات وتقل مساحة العمل للنشطاء. التقرير يأتي في توقيت يهدف إلى تذكير المجتمع الدولي بأن التركيز على وقف إطلاق النار وحده لا يكفي، بل يجب حماية حياة المدنيين. (المصدر: بيانات رسمية).

الفصل الرابع: التقييم النقدي للتقرير والمنظور المقارن

1. أهمية التوثيق المنهجي:

تعتبر الأرقام دليلاً على منهجية التوثيق المتبعة من قبل النشطاء الصحراويين على الأرض. هذا التوثيق يعد بحد ذاته عملاً بطولياً في ظل القيود الأمنية المفروضة.

التقارير التفصيلية حول 9,806 مداهمات للمنازل، و1,241 حالة منع من حرية التنقل، تعطي مؤشراً واضحاً على البيئة القمعية التي يعمل فيها المدنيون الصحراويون.

2. مقارنة بالمنظمات الدولية المستقلة:

من الضروري الإشارة إلى أن المنظمات الحقوقية الدولية الكبرى (كـ منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش) تصدر تقارير دورية تتقاطع مع مزاعم "كوديسا" حول قضايا رئيسية:

  • الاعتقال التعسفي والتعذيب: أكدت تقارير دولية مراراً وتكراراً وجود حالات اعتقال تعسفي واحتجاز غير قانوني، وتحدثت عن مزاعم بالتعذيب وسوء المعاملة بحق النشطاء السياسيين. (المصدر: تقارير العفو الدولية السنوية).
  • التجمعات السلمية: وثقت هذه المنظمات أيضاً قمع التجمعات السلمية ومنع الصحفيين والمراقبين الأجانب من العمل بحرية. (المصدر: تقارير هيومن رايتس ووتش حول حرية التعبير).

الخاتمة: دعوة للتحرك الجدي

يُعتبر تقرير "كوديسا" بمثابة دليل إدانة لـ 50 عاماً من التقاعس الدولي في إنهاء نزاع الصحراء الغربية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ تصفية الاستعمار. الـ 38,041 انتهاكاً هي ليست مجرد أرقام، بل هي قصص إنسانية ومأساة مستمرة تدعو إلى يقظة أخلاقية وقانونية.

"رمال سياسية" ترى أن الحل الجذري لا يكمن فقط في إحصاء الانتهاكات، بل في معالجة جذر المشكلة: عدم تطبيق حق تقرير المصير. إن توصيات التقرير، خاصة حول آلية حقوق الإنسان، يجب أن تُدرج بجدية على جدول أعمال مجلس الأمن، وإلا فإن مصداقية المنظومة الأممية في هذا النزاع ستظل موضع شكوك عميقة.

الموقف الثابت لدول مثل تيمور الشرقية يذكر العالم بالمسؤولية التاريخية والقانونية. يبقى السؤال: متى سيتحول الصمت الأممي إلى تحرك جدي لوقف حلقة الانتهاكات وإعطاء الشعب الصحراوي حقه غير القابل للتصرف في تحديد مصيره؟

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق