تحليل معمق| البرلمان الإسباني يرفض سياسة الأمر الواقع: مطالبة بـ "العودة للشرعية الدولية"
المقترح غير التشريعي (PNL) في الكونغرس الإسباني يمثل إدانة صريحة للتحول الأحادي للحكومة، ويؤكد أن المسؤولية التاريخية لإسبانيا تجاه الشعب الصحراوي لا يمكن التنازل عنها تحت ضغوط جيوسياسية.
■ أولاً: الصدمة والانحراف التاريخي (مارس 2022)
في مارس 2022، أقدم رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، على خطوة أحادية مثلت تحولاً زلزالياً في السياسة الخارجية الإسبانية التي ظلت قائمة لأربعة عقود. فبشكل مفاجئ، أعلنت مدريد دعمها لخطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لحل نزاع الصحراء الغربية. هذا الموقف، الذي تم تمريره عبر رسالة رسمية للرباط، لم يشكل انحرافاً عن سياسة إسبانيا الرسمية فحسب، بل شكّل خيانة للمسؤولية التاريخية والأخلاقية والقانونية تجاه الشعب الصحراوي، الذي تعتبره الأمم المتحدة قضية تصفية استعمار، وتعتبر إسبانيا دولته القائمة بالإدارة (القوة المستعمرة السابقة).
كانت تداعيات هذا الانحراف فورية ومدوية:
- **إدانة داخلية:** قوبلت الخطوة برفض شبه جماعي من أغلب القوى السياسية في الكونغرس الإسباني، بما في ذلك حلفاء سانشيز في الائتلاف الحكومي.
- **أزمة مع الجزائر:** أدت الخطوة إلى تعليق الجزائر لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار مع إسبانيا ووقف واردات الغاز مؤقتاً، مما كشف هشاشة القرار الإسباني.
- **تقوية الموقف الصحراوي:** أثبت هذا التحول أن المغرب لا يزال بحاجة إلى "انتزاع" اعترافات دولية بجهود ضخمة، وأن موقفه لم يحظ بعد بالإجماع الدولي أو الإقليمي.
اليوم، يجسد المقترح غير التشريعي (PNL) الذي تقدم به نواب في الكونغرس رفضاً ديمقراطياً قاطعاً لهذا التغير، ويسعى إلى إعادة البوصلة الإسبانية إلى مكانها الطبيعي.
■ ثانياً: العمق التاريخي والقانوني للمسؤولية الإسبانية
لا يمكن فهم ضخامة المقترح البرلماني دون استيعاب ثقل المسؤولية التي تحملها إسبانيا قانونياً وتاريخياً:
1. إسبانيا كدولة قائمة بالإدارة (القوة القائمة بالاحتلال السابقة)
منذ انسحابها عام 1975، لم تستطع إسبانيا إنهاء التزاماتها القانونية بشكل كامل. فالصحراء الغربية لا تزال، في نظر الأمم المتحدة، إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي. وفي حين أن اتفاقية مدريد لعام 1975 التي قسمت الإقليم بين المغرب وموريتانيا اعتبرت لاغية في نظر القانون الدولي (خاصة بعد رأي محكمة العدل الدولية)، إلا أنها تظل وثيقة تؤكد مسؤولية مدريد عن الفوضى التي أعقبت انسحابها المتسرع. الدبلوماسية الجزائرية، بالتعاون مع البوليساريو، تذكر إسبانيا دائماً بالتزامها بـ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1514 الذي يضمن حق الشعوب في تقرير المصير.
2. رفض تفويض السيادة
المغرب اعتمد على "الدعم" الإسباني كأداة لشرعنة سيطرته، لكن المقترح البرلماني يرسل رسالة واضحة مفادها: لا يمكن للحكومة الإسبانية تفويض سيادة لا تملكها أصلاً. فملف الصحراء الغربية ليس ملكاً للحكومة الإسبانية، بل هو رهن سلطة الأمم المتحدة ورهن إرادة الشعب الصحراوي.
التحدي القانوني: يدعو النواب الحكومة لتبني موقف ينسجم مع القانون الأوروبي وقرارات محكمة العدل الأوروبية التي تعتبر الصحراء الغربية كياناً قانونياً منفصلاً عن المغرب، خاصة فيما يتعلق بالاتفاقيات التجارية.
■ ثالثاً: تحليل متعمق لمقترح (PNL) ورفض الأمر الواقع
إن المقترح غير التشريعي هو آلية برلمانية تسمح للكونغرس بالتعبير عن إرادة سياسية دون أن تكون له قوة القانون الملزم، لكن وزنه السياسي في سياق الانقسام الحالي لا يقل أهمية عن التشريع.
1. المطالب المزدوجة للمقترح
يرتكز المقترح على مطلبين أساسيين، كلاهما يخدم الموقف الصحراوي-الجزائري:
- **الوضوح السياسي والعودة إلى الأمم المتحدة:** يُطالب المقترح الحكومة بضرورة العودة إلى موقف إسبانيا التاريخي الداعم لقرارات الأمم المتحدة والحل الذي يضمن تقرير المصير. هذا يعني التخلي الفعلي عن الدعم المطلق لخطة الحكم الذاتي كحل أوحد.
- **الدعم الإنساني للاجئين الصحراويين:** يشدد المقترح على مسؤولية إسبانيا تجاه اللاجئين في مخيمات تندوف، مطالباً بزيادة المساعدات الإنسانية واللوجستية. هذا البعد الإنساني يضمن استمرار إبقاء المعاناة الصحراوية حية في الوعي الإسباني والدولي.
2. دلالة الانقسام البرلماني
الموافقة المتوقعة على المقترح (بدعم من قوى إقليمية ويسارية) ستؤكد أن الموقف الحكومي هو موقف الأقلية داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية. هذا يمنح الدبلوماسية الجزائرية ورقة ضغط قوية؛ إذ يمكنها الإشارة إلى أن إسبانيا كدولة (كمؤسسات ديمقراطية) لم تعترف أبداً بالسيادة المغربية المزعومة، بل إن القرار كان نتاج مناورة فردية من السلطة التنفيذية. هذا يؤيد تصريحات الوزير عطاف بأن الإجماع الدولي لم يتشكل حول الأطروحات المغربية.
■ رابعاً: الاستراتيجية الجزائرية: استغلال التصدعات الإسبانية
تدرك الجزائر أن إسبانيا، بكونها القوة الاستعمارية السابقة، تظل مفتاحاً استراتيجياً لملف الصحراء الغربية. ولذلك، كان الرد الجزائري على تحول سانشيز سريعاً ومؤثراً (تعليق معاهدة الصداقة).
1. تأكيد الدعم المبدئي (المقارنة مع عطاف)
تتصدر الدبلوماسية الجزائرية المشهد عبر وزير الخارجية أحمد عطاف، الذي أكد مراراً على فشل المغرب في فرض أجندته في مجلس الأمن (انظر تحليلنا لتصريحات عطاف). الآن، يجد هذا الموقف صدى له في العاصمة الأوروبية (مدريد). فإذا كان البرلمان الإسباني يرفض الاعتراف بالسيادة المغربية، فإن هذا يمنح ثقلاً أكبر لحجج الجزائر في الأمم المتحدة حول **غياب الإجماع الدولي** حول مصير الإقليم.
2. ورقة الطاقة والضغط الاقتصادي
لا يمكن إغفال دور الجزائر كـ مورد طاقة أساسي لإسبانيا وأوروبا. العلاقة الاقتصادية كانت ولا تزال أداة ضغط فعّالة. المقترح البرلماني، بتركيزه على أهمية استقرار العلاقات الخارجية، يذكر الحكومة الإسبانية بأن مغازلة المغرب جاءت على حساب شريك موثوق وكبير مثل الجزائر، مما كلف مدريد اقتصادياً ودبلوماسياً.
3. الجبهة الداخلية الصحراوية
تزامناً مع هذا الضغط السياسي، يواصل جيش التحرير الشعبي الصحراوي تصعيده العسكري (انظر البلاغات العسكرية الأخيرة)، مما يؤكد أن الحل العسكري مطروح بقوة في ظل الجمود السياسي. الدعم الإسباني، حتى لو كان إنسانياً، يبعث برسالة طمأنة للبوليساريو بأنها لم تُترك وحدها في مواجهة الاحتلال.
■ خامساً: اللاجئون في تندوف: مسؤولية لا تسقط بالتقادم
يُعد المطلب المتعلق بدعم اللاجئين في تندوف ركيزة أساسية في المقترح. فإسبانيا، تاريخياً، كانت أحد أكبر المانحين التقليديين للمساعدات في المخيمات. هذا التقليد يستمد قوته من الروابط الإنسانية والتاريخية القوية بين الشعب الإسباني والشعب الصحراوي.
استمرار الحياة القاسية في مخيمات تندوف، والتي تعتمد على المساعدات الدولية، يشكل دليلاً حياً على عدم شرعية الاحتلال. عندما تطالب القوى البرلمانية الإسبانية بـ رفع الدعم الإنساني، فإنها تطالب الحكومة بالوفاء بالتزاماتها تجاه ضحايا نزاع تسببت إسبانيا في تعقيده بانسحابها عام 1975. إن المساعدات هنا ليست مجرد عمل خيري، بل هي اعتراف سياسي بأحقية هؤلاء اللاجئين في العودة إلى وطنهم، وبالتالي رفض لواقع الاحتلال الذي تسبب في نزوحهم.
■ الخاتمة: مستقبل السياسة الإسبانية وعودة الالتزام
في الختام، يمثل المقترح غير التشريعي انتصاراً للموقف الصحراوي-الجزائري، ونجاحاً للجهود التي تبذلها القوى الداعمة لتقرير المصير. على الرغم من أن حكومة سانشيز قد تحاول التهرب من تبعات هذا المقترح، فإن وجوده وتأييده يرسخ الموقف التالي: السياسة الخارجية الإسبانية تجاه الصحراء الغربية لا يمكن أن تقررها السلطة التنفيذية وحدها في الخفاء.
إن الضغط البرلماني يفتح الباب أمام احتمال مراجعة مدريد لموقفها، والعودة إلى إطار الشرعية الدولية، وهو الحل الوحيد الذي يضمن الاستقرار في المنطقة ويحفظ حقوق الشعب الصحراوي. الجزائر، ببقائها ثابتة على المبدأ (كما أكد صالح قوجيل)، تثبت أن الزمن يلعب في صالح القضايا العادلة.
مدريد اليوم تواجه خياراً لا مفر منه: إما الاستمرار في نهج الانحراف الذي يهدد استقرارها الداخلي وعلاقاتها الإقليمية، أو العودة بمسؤولية إلى دعم الحل العادل للقضية، وهو ما يطالب به برلمانها وشعبها.
📚 قراءات تحليلية إضافية (الروابط الداخلية لرمال سياسية):
- • مواقف عليا: تصريحات صالح قوجيل حول الموقف المبدئي للجزائر.
- • تأكيد الدعم: وزير الخارجية عطاف يستقبل نظيره الصحراوي.
- • تقييم دبلوماسي: عطاف يتحدث عن فشل مغربي في فرض خطة الحكم الذاتي.
- • الشرعية الدولية: تحليل موقف الجزائر الثابت بعد قرار مجلس الأمن 2797.
- • البعد العسكري: تحليل حول المحافظة السياسية لجيش التحرير الشعبي الصحراوي.
- • الرهانات الجيوسياسية: نفي وجود اتفاقيات حول غار جبيلات بين الجزائر والمغرب.
