الصحراء الغربية: تقاطع المصالح يفرض "الواقعية السياسية" ويُعيد تعريف خيارات التسوية
تحليل يوضح التغيرات الأخيرة في مواقف مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، وتأثيرها على حق تقرير المصير للشعب الصحراوي.
في خضم التحولات الجيوسياسية التي تجعل صوت المصالح الاقتصادية والأمنية يعلو على القواعد القانونية، تدخل قضية الصحراء الغربية منعطفاً جديداً. تشير القرارات الأخيرة الصادرة عن مجلس الأمن والتحركات الدبلوماسية لبعض الدول الأوروبية إلى تحوّل جذري في ميزان الاعتراف الدولي، مما يثير تساؤلات حول مستقبل خيار الاستفتاء الذي تم التوافق عليه سابقاً.
1. "الواقعية السياسية": مسمار في نعش الاستفتاء؟
باتت القوى الغربية اليوم تميل إلى ما يُعرف بـ **"الواقعية السياسية"**، وهو تيار يرى في مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الطريق الأكثر عملية لـ"إنهاء النزاع". هذه المقاربة تتجاهل بشكل لافت عشرات القرارات الأممية التي أكدت ضرورة إجراء استفتاء يُتيح للصحراويين اختيار الاستقلال كخيار محتمل.
- **قرار مجلس الأمن:** تجاهل القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن صراحة خيار الاستقلال، مفضلاً التركيز على الدعوة لمحادثات سياسية، وهو ما يُفسر بأنه محاولة أممية لتكريس الواقع السياسي القائم بدلاً من تفعيل الحل القانوني.
- **موقف العواصم الأوروبية:** دول أوروبية، على غرار بلجيكا، تنضم تدريجياً إلى قائمة الدول التي ترى أن الحكم الذاتي هو الإطار الأنسب. هذا التغير، وإن كان يحظى بوصف "الانتصار الدبلوماسي" من طرف الرباط، إلا أنه يمثل تراجعاً في الالتزام بمبادئ القانون الدولي بالنسبة للصحراويين.
2. التجارة والاستغلال الاقتصادي: شراكات فوق أرض متنازع عليها
يتجاوز التحول الدبلوماسي المواقف السياسية إلى العمق الاقتصادي. يستمر الاتحاد الأوروبي في بناء شراكات تجارية مع المغرب تشمل أراضي الإقليم. وتثير مسألة استغلال الموارد الطبيعية، بما في ذلك مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر التي يسعى المغرب لتطويرها، جدلاً قانونياً وأخلاقياً واسعاً.
يرى منتقدو هذه الشراكات أنها تمنح الشرعية الاقتصادية للسيطرة على الإقليم، حتى وإن تم تزيينها بملصقات تُشير إلى "منشأ السلع". السؤال المركزي الذي يبقى مطروحاً هو: **هل الموافقة على استغلال موارد أرض متنازع عليها تعني بالضرورة الاعتراف بشرعية الطرف المُسيطر؟**
3. البوليساريو: الصمود في مواجهة اللامبالاة الدولية
على الجانب الآخر من النزاع، يستمر مئات الآلاف من الصحراويين في مخيمات تندوف جنوب الجزائر في العيش في ظروف قاسية منذ ما يقرب من خمسة عقود. يمثل هذا الصمود تحدياً يومياً للسياسة الدولية التي تبدو غير مبالية بتفعيل الحلول القانونية.
تتمسك جبهة البوليساريو برفضها للمشاركة في أي مسارات تفاوضية يتم فيها إقصاء خيار الاستقلال بشكل مسبق. هذا الموقف، الذي يُصوّر أحياناً على أنه تعنت، يُنظر إليه من منظور الجبهة كدفاع عن **"جوهر القضية"**. فالجلوس إلى طاولة لا تعترف بالحق الثابت للشعب الصحراوي هو، بالنسبة لهم، إقرار بالتصفية السياسية، وليس سعياً للحل.
4. التنمية مقابل الحرية: تناقض الأجندات
في المناطق التي يسيطر عليها المغرب من الإقليم، يتم الترويج لمشاريع تنموية كبرى، خاصة في قطاعات الطاقة الجديدة. ومع ذلك، يرى المحللون أن التنمية، حين تُفصل عن العدالة، تتحول إلى مجرد غطاء لتجميل الواقع السياسي. ويُطرح السؤال الحاسم: **أي تنمية يمكن إدارتها في ظل قمع لحرية التعبير؟**
تتواتر تقارير حقوقية دولية عن ملاحقات وانتهاكات تطال النشطاء والصحفيين المدنيين في المنطقة، في الوقت الذي تشهد فيه مناطق التماس (شرق الجدار الرملي) هجمات متفرقة، مما يؤكد أن الاستقرار الأمني لم يتحقق بعد، وأن الحديث عن التنمية المستدامة يبقى منقوصاً في غياب حل سياسي شامل وعادل.
"السلام لا يُشترى بالتنمية الاقتصادية المُجردة. بل يُبنى على مبدأ العدالة وتفعيل الحقوق، وأهمها حق تقرير المصير الذي هو جوهر القضية منذ البداية."
5. مستقبل القضية: طريقان لا ثالث لهما
لا يمكن للقضية أن تتجه نحو الحل عبر تجاوز المالك الأصلي للحق. إن أي مقاربة سياسية تفرض "الحل الوسط" عبر إقصاء خيار الاستقلال، ليست إلا تأجيلاً للأزمة. ستبقى الصحراء الغربية قضية مفتوحة ما لم يُمنح أهلها حقهم الطبيعي في اختيار مصيرهم بحرية كاملة.
الرهان اليوم لم يعد مقتصراً على مائدة المفاوضات التقليدية، بل أصبح أيضاً على قوة الدعم الدولي للشرعية، وعلى بقاء الحقيقة حيّة رغم ضغوط المصالح الكبرى ومحاولات التعتيم.