![]() |
| صورة مخيمات اللاجئين الصحراويين جنوب غرب الجزائر سنة 2010 |
المخيمات الصحراوية (تندوف): خمسون عاماً من الصمود، الإدارة، والأزمة الإنسانية (1975–2025)
منذ اندلاع موجة النزوح التي تلت انسحاب إسبانيا عن الصحراء الغربية عام 1975، أخذت مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف، جنوب غرب الجزائر، مساراً استثنائياً: من خيام عابرة إلى منظومة بشرية شبه حكومية. عبر خمسين سنة من اللجوء، تشكلت مؤسسات إدارية، مدارس ومستشفيات، شبكات مياه محدودة، وأسواق صغيرة—كل ذلك في بيئة صحراوية قاسية، ما يجعل تجربة هذه المخيمات فريدة على مستوى العالم. وفق أحدث التقديرات والتحليلات الإنسانية فإن عدد الساكنين يتراوح تقريباً بين 170,000 و180,000+ شخص، مع تفاوت وتحديثات مستمرة بسبب صعوبات الإحصاء الميداني والقيود اللوجستية والسياسية. 0
1. مسار تاريخي موجز (1975–2025): خمس مراحل محورية
يمكن تلخيص تطور المخيمات على امتداد نصف قرن عبر مراحل بارزة:
- مرحلة التأسيس (1975–1985): وصول المئات من الآلاف إلى صحراء قاحلة؛ خيام، نقص مياه وغذاء، اعتماد على عمل تطوعي ومساعدات أولية.
- بناء المؤسسات (1985–2000): تأسيس هيكل إداري يتقاطع مع مؤسسات الجبهة/الحكومة في المنفى، وإطلاق مدارس ومستوصفات.
- تثبيت وإرساء الخدمات (2000–2010): تعميق الشراكات الدولية، بعثات طلابية إلى كوبا والجزائر وإسبانيا، ونمط متزايد من الإدارة الذاتية.
- أزمات التمويل والأمن الغذائي (2010–2020): تقلّص تمويل دولي في فترات، ضغوط اقتصادية، وأحياناً موجات نزوح داخلية.
- مرحلة ما بعد الجائحة والتصعيد الإقليمي (2020–2025): تأثير جائحة كوفيد-19، زيادات في الأسعار العالمية وموجات جديدة من الاحتياجات الإنسانية مع تزايد الضغوط السياسية الإقليمية.
كمحصلة، تحوّل بعضها إلى تجمعات شبه دائمة تُدار داخلياً بطريقة مؤسساتية، بينما تبقى رهينة لتمويل المانحين وإمكانيات التوزيع اللوجيستي. 1
2. البنية الإدارية: من “ولاية” إلى “حَيّ”
المخيمات مقسمة إلى ولايات (Wilayat) تحمل أسماء مدن الصحراء: السمارة، العيون، الداخلة، أوسرد وبوجدور؛ وكل ولاية تحتوي دوائر (daïras) وأحياء (hays). هذه البنية الإدارية تتعامل يومياً مع شؤون السكان: توزيع المواد الغذائية والمياه، إدارة المدارس والمستوصفات، تنظيم النشاطات الثقافية، وتسيير نقاط التوزيع. ما يميز هذه البنية هو المزج بين إدارة مركزية (مؤسسات تشبه الوزارات) ولجان شعبية محلية تعمل على مستوى الحي، ما أعطى مرونة في التوزيع وتقبّل المجتمع للمسؤوليات. تقارير تحليلية تؤكد أن هذا التنظيم يفسر إلى حد كبير قدرة المخيمات على بقاء خدمات أساسية مُشغَّلة لسنوات طويلة. 2
3. الأمن: شرطة مدنية، دوريات درك، والمشاركة المجتمعية
رغم هشاشة الظروف المحيطة، يمتلك المخيم نظاماً أمنياً واضحاً: شرطة مدنية للتعامل مع الأمن اليومي داخل الأحياء، درك أو وحدات أوسع للتنقل بين الولايات، وفرَق حماية مدنية للطوارئ. كما تعمل لجان الحي في تسوية النزاعات البسيطة، والتنظيم المجتمعي لطوابير التوزيع. هذه الشراكة بين أجهزة رسمية محلية ومجتمع مدني صغير خفّضت من حجم الجرائم المنظمة ووفرت مستوى من الاستقرار الداخلي. تقارير بعثات إنسانية ووثائق تحليلية أشارت إلى أن الانضباط الاجتماعي في المخيمات أعلى مما هو متوقع في بيئة لجوء بشبه ريفية. 3
«الانضباط الاجتماعي داخل المخيمات الصحراوية يجعل إدارة الأزمة أكثر فاعلية؛ ليس لأن الموارد كثيرة، بل لأن المجتمع نفسه يشارك في حمايتها.» — تعليق مسؤول في بعثة إنسانية.
4. التعليم: منظومة محلية + شراكات دولية (بما فيها مدرسة سيمون بوليفار)
يشكل التعليم نقطة قوة واضحة: مدارس ابتدائية في معظم الدوائر، إعداديات وثانويات في الولايات، ومراكز تكوين مهني. إلى جانب المدارس المحلية ظهرت مدارس وشراكات دولية. أهمها مدرسة سيمون بوليفار التي بُنيت بتمويل وشراكة من دول مثل كوبا وفنزويلا وافتُتحت فعلياً في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (مؤشرات وتقارير تشير إلى إنجازات وبداية تشغيل لبرامج تعليمية ثانوية حول 2011 وما بعدها). تُعلّم فيها بعثات من المدرّسين الكوبيين مناهج متقدمة في العلوم والرياضيات وتستوعب مئات الطلاب. 4
إذًا: المسار التعليمي في المخيمات ليس تعليم خيامي فقط؛ بل منظومة تتيح بعثات دراسية للخارج، تكويناً مهنياً، ومراسلات مع جامعات وشركاء دوليين—مما أنتج أجيالاً من المعلمين والأطر الصحية الذين خدموا المجتمع نفسه.
«جئت لأعلّم، لكنني تعلمتُ كثيراً من طلبتي الذين علّموني معنى الصبر والعمل الجماعي.» — معلّم كوبي في مدرسة سيمون بوليفار.
5. المياه: أزمة يومية وإدارة لوجستية معقدة
تُعد المياه أحد أخطر مشاكل الحياة اليومية: تعتمد المخيمات على آبار عميقة تُضخ إلى خزانات وصهاريج يتم توزيعها إلى نقاط حنفيات مركزية ونقاط تعبئة في الأحياء. بسبب المسافات والقيود اللوجستية، لا تتوفر مياه الصنبور في كل المنازل؛ بل في كثير من الحالات على شكل نقاط حنفية مركزية أو عبر صهاريج دورية. تشير تقديرات منظمات الإغاثة إلى أن متوسط استهلاك الفرد لا يزيد عادة عن 12 لتراً يومياً في أوقات الضغط—أقل من الحد الدولي الموصى به (حوالي 20 لتراً)—ما يجعل توفير المياه وتوزيعها مهمة مركزية في كل خطة إنسانية. 5
«إدارة المياه في تندوف تضاهي معارك تكافح من أجل الحياة؛ كل قطرة تُوزّع بحساب.» — تقرير Oxfam حول مشاريع السقاية والدعم المائي.
6. الصحة: مستوصفات ووحدات تحويل إلى مستشفيات خارجية
توجد مستوصفات في كل دائرة ومستشفيات مركزية في كل ولاية. الخدمات الأساسية—التطعيمات، رعاية الأمومة والطفل، علاج سوء التغذية—موجودة لكن بمحدودية إمكانيات المعدات المتقدمة. الحالات الحرجة غالباً ما تُحوّل إلى مستشفيات جزائرية لشروع علاج متقدم. منظمات مثل أطباء بلا حدود عملت لفترات على تحسين بعض الخدمات الطارئة وتدريب العاملين المحليين. 6
7. المساعدات الإنسانية: مشهد متعدد الجهات واحتياجات متزايدة
تتعامَل مع المخيمات مجموعة من الفاعلين: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، برنامج الغذاء العالمي (WFP)، اليونيسف، أطباء بلا حدود (MSF)، Oxfam، الهلال الأحمر الصحراوي، وعدد من الجمعيات الأوروبية خصوصاً من إسبانيا وإيطاليا. تتقاطع أدوار هذه الجهات بين تمويل الحصص الغذائية، دعم المياه، التعليم والصحة، وبرامج الاقتصاد المحلي. خطط الاستجابة الحديثة والمتطلبات المالية تُظهر حاجات سنوية كبيرة؛ على سبيل المثال، وثائق خطة استجابة للاجئين لسنة 2024–2025 أشارت إلى مئات ملايين الدولارات المطلوبة لتغطية الاحتياجات الأساسية للعام. 7
8. دور Oxfam ومنظمات مدنية أخرى: مشاريع مياه وتمكين نسائي
لمنظمات مثل Oxfam دور ملموس في مجالات المياه والصرف الصحي وتمكين النساء عبر مشروعات تدريب ومشاريع دخل صغير. تقارير المنظمة تبرز أن تدخلاتها في قطاع المياه والإصحاح البيئي حسّنت من الوصول للمياه ونوعية الحياة في دوائر محددة، لكنها أيضاً تُحذّر من هشاشة التمويل والتأثير طويل المدى لتقلص المساعدات الدولية. 8
9. الاقتصاد المحلي: متاجر صغيرة (اباتيگ)، حرف، وتحويلات
في كل حي تتواجد متاجر صغيرة (غالباً من نوع طاولات/بناء بسيط) تبيع المواد الأساسية: دقيق، سكر، زيت، حليب مجفف، ومعاجين. اسمها محلياً “المرصى” أو محلات الحي. إلى جانب ذلك تظهر ورش صغيرة (خياطة، حدادة، نجارة) تلبي حاجات المجتمع. لا تُعتبر هذه الأسواق اقتصاداً منتجاً بالمعنى الكلاسيكي، لكنها توفر سُبل عيش بديلة وتخفف من الاعتماد الكلّي على المساعدات. التحويلات من أقارب في الخارج والمنح الدراسية تشكّل أيضاً مصدراً هاماً للدخل لبعض الأسر.
10. الحياة اليومية وإدارة المواطنين: من الطوابير إلى اللجان الشعبية
يُنظّم المواطنون إدارة موادهم الأساسية عبر طوابير توزيع منظمة، لجان حيّية لتسجيل المستفيدين، وجداول دورية لتوزيع الحصص. المرأة تلعب دوراً بارزاً في لجان التوزيع والمدرسة والصحة المحلية. هذه المشاركة الشعبية ساعدت على جعل عمليات التوزيع أكثر شفافية ومحلية الاستجابة.
«الحيّ لا يبقى حيّاً إلا بمشاركة كل أفراده؛ هنا تعلمنا أن الخدمة لا تُؤتمن إلا بين الناس.» — قائدة لجان الحي.
11. شهادات واقتباسات من زوار وصحفيين ومنظمات
من الاقتباسات والنصوص المنشورة في تقارير وزيارات ميدانية:
- المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR): تقدّر الوضع وتتابع الخدمات الأساسية وحققت شراكات لتقوية البنية المحلية. 9
- ACAPS / تقارير تحليلية: تشير إلى تقديرات سكانية تقارب 173,000 نسمة في سنوات محددة وتصف الوضع بأنه «متأزم بسبب محدودية الموارد وارتفاع الاحتياجات». 10
- صحفي أوروبي: «لم أرَ تنظيماً للمجتمع في خيمة كما رأيته هنا؛ إنهم يديرون المعونات كما تُدار مؤسسات شابة.»
- مسؤول منظمة Oxfam: «المياه تحدٍ يتكرر، وقابلية النظام على الاستجابة مرهونة بوجود تمويل مستقر.» 11
12. التحديات الراهنة والمستقبلية (2025)
رغم القدرات الإدارية، تواجه المخيمات تحديات كبيرة:
- تراجع التمويل الدولي وتأثير ذلك على التوزيع الغذائي والخدمي.
- أزمة مياه متكررة تؤثر على الصحة العامة والزراعة المحلية المحدودة.
- نسبة بطالة مرتفعة بين الشباب مع نقص فرص دخل مستدامة.
- التبعية الكبيرة للمساعدات التي تُعرض الحياة للخطر إن توقفت.
- التوترات الإقليمية وتصاعد المواجهات العسكرية في المناطق المحيطة التي قد تؤدي إلى موجات نزوح جديدة.
خطة الاستجابة لسنة 2024–2025 أشارت إلى حاجة تمويلية كبيرة، ما يعني أن أي تراجع في الدعم الدولي سيؤثر مباشرة على الخدمات الحيوية. 12
13. لماذا تُعتبر هذه التجربة مهمة للمتابع الدولي؟
لأنها تتضمن أكثر من بُعد إنساني: إدارة مخيمات تعتمد المشاركة المحلية؛ تعليم متطور نسبيًا مع بعثات للخارج؛ تجربة صحية ومنظومة مياه لوجستية تقوم على صهاريج ونقاط حنفيات مركزية؛ وأيضاً لأنها تُعرّف الجمهور العالمي بمعاناة شعب مُتمسّك بهويته يسعى للحياة والتعليم في بيئة صعبة. ففهم واقع المخيم يعني فهم جانباً مهماً من نزاع طويل الأمد لم يجد حلّاً سياسياً حتى 2025.
خاتمة: صورة إنسانية مركبة
المخيمات الصحراوية في تندوف ليست مجرد حالة مساعدة إغاثية؛ إنها مجتمع أنشىء على القهر والأمل في آنٍ واحد. بُنيت مؤسساتها عبر الزمن بجهد داخلي ودعم دولي متفاوت، وتستمر اليوم في تقديم تعليم وخدمات صحية وأمنية بموارد محدودة. إن إدراك الصورة الكاملة — من تاريخ التأسيس إلى مدارس مثل سيمون بوليفار، من دور Oxfam إلى نقاط الحنفية اليومية، ومن الأسواق الصغيرة إلى لجان الحيّ — يمنح القارئ فهماً إنسانياً عميقاً. وعلى صعيد السياسات، يبقى الحل الدائم مرتبطاً بتسوية سياسية شاملة تُعيد للسكان خيار العودة أو الاستقرار الدائم تحت ضوابط تحترم حقوقهم وكرامتهم.
ملاحظة تحريرية: تم الاستعانة بتقارير ومصادر أممية ومنظمات خيرية ومراجعات صحفية لضمان الدقة الموضوعية. في حال رغبت بتضمين حواشي واضحة أو إرفاق روابط المصدرية (للاستخدام في المدونة أو التوثيق)، أرفق لك قائمة مفصّلة قابلة للإدراج تحت المقال.


#Said_Ahmed_Md_Salem يا اخي على من تضحك عل نفسك او على الناس الغلابة المحاصرة ، ( التنقل م بتصريح)مساعدة المنكوبين تباع في السوق السوداء .
ردحذفانهم يستجدون بمنكوبي مخيمات البوليزاريو و يستفيدون من المساعدات بإعادة بيعها في السوق السوداء ، فيقوا من السبات ، الجزائر تتاجر بقضية الصحراويين ، والله ثم والله لو رفع الحصار على الشعب الصحراوي من طرف الجيش الجزائري و الدرك الوطني ، لن يبقى هناك صحراوي واحد ، لأنهم اليوم اكثر وعيا و نضجا ، قلوبنا مع الصحراويين المحتجزين في تيندوف .