الثبات على المبدأ: تحليل الجذور التاريخية والسياسية لـ "استحالة التطبيع" في الجزائر
1. المقدمة: الجزائر حارسة المبدأ
تُعد الجزائر الديمقراطية الشعبية الحصن الأخير والأكثر رسوخًا ضد موجات التطبيع التي اجتاحت المنطقة العربية، خاصة بعد توقيع "اتفاقيات أبراهام" بين الكيان الإسرائيلي وعدد من الدول العربية. بالنسبة للجزائر، فإن الموقف من القضية الفلسطينية ليس مجرد سياسة خارجية، بل هو جزء أصيل من الهوية الوطنية، امتداد لـ "ثورة المليون ونصف المليون شهيد". إن ربط التطبيع بشرط تحقيق الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، يضع هذا الحدث في خانة "الاستحالة" في ظل الظروف الراهنة، محولاً الموقف الجزائري إلى عقيدة وطنية لا تقبل المساومة.
هذا المقال يبحث في الجذور التاريخية والأيديولوجية والسياسية التي تمنح الموقف الجزائري هذه الصلابة، مدعومًا بأقوال شخصيات بارزة وتحليلات من الصحافة الوطنية والعالمية.
2. الجذور التاريخية والأيديولوجية: الثورة كمعيار
لفهم رفض الجزائر القاطع للتطبيع، يجب العودة إلى النبع الأيديولوجي الذي تأسست عليه الدولة الحديثة: ثورة التحرير الوطني 1954-1962.
2.1. الاقتباس من الذاكرة التأسيسية
ترى الجزائر أن احتلال الأراضي الفلسطينية هو استمرار منطقي لظاهرة الاستعمار والاحتلال، وهي الظاهرة التي كافحت ضدها لمدة 132 عامًا. هذا التماهي بين التجربة الاستعمارية الجزائرية والصراع الفلسطيني يمنح القضية الفلسطينية وضعاً خاصاً في الوجدان الجزائري.
من أقوال الشخصيات البارزة:
🗣️ هواري بومدين: "نحن مع فلسطين، ظالمة أو مظلومة." (تعكس هذه العبارة الالتزام المطلق وغير المشروط بالقضية الفلسطينية كأولوية قومية).
2.2. الحماية الدستورية للقضية
القضية الفلسطينية ليست مجرد بند في أجندة السياسة الخارجية، بل هي مُكرّسة في الدستور الجزائري بشكل ضمني عبر مبادئ السياسة الخارجية المتمسكة بالشرعية الدولية ودعم حركات التحرر. هذا التكريس يجعل من أي خطوة نحو التطبيع مساساً بالثوابت الوطنية.
3. الرافض الرسمي الحديث: خطاب الرئيس تبون وشرط الاستحالة
في العقد الأخير، ومع تزايد الضغوط الإقليمية والدولية، ظلت القيادة الحالية برئاسة عبد المجيد تبون متشبثة بالخط الأحمر.
3.1. التصريحات الصارمة وربط التطبيع بالاستحالة
لقد وضع الرئيس عبد المجيد تبون شرطاً يلامس حدود الاستحالة، مما يضمن عملياً استمرار القطيعة الدبلوماسية:
🗣️ الرئيس عبد المجيد تبون: "لا تطبيع... الجزائر لن تبارك ولن تشارك في الهرولة نحو التطبيع، ولن تُطبع مع الكيان في اليوم ذاته الذي تقوم فيه دولة فلسطينية كاملة الأركان وعاصمتها القدس."
تحليل هذا الشرط:
- رفض التطبيع "الجزئي": رفض أي شكل من أشكال التطبيع الاقتصادي أو الأمني قبل الحل السياسي.
- تعجيز الموقف الإسرائيلي: نظراً لتمسك الحكومات الإسرائيلية بالاستيطان، فإن الشرط يصبح شبه مستحيل التحقيق.
- دعم المبادرة العربية: يتوافق هذا الموقف مع مبادرة السلام العربية 2002، مع رفض نموذج "اتفاقيات أبراهام".
3.2. ردود فعل في الصحافة الوطنية
تعكس الصحافة الجزائرية الرسمية والمستقلة هذا الموقف بكل قوة:
- صحيفة الخبر: نُشرت مقالات تصف الموقف الجزائري بأنه "العمود الفقري للأمة".
- تصريح صحفي جزائري: "التطبيع هو انتحار دبلوماسي، ونحن نرفض أن نتاجر بدم الشهداء الفلسطينيين مقابل مكاسب ضيقة."
4. الأبعاد الجيوسياسية: استقلالية القرار والدور الإقليمي
4.1. استقلالية القرار الدبلوماسي
تعتمد الجزائر سياسة خارجية تقليدية ترتكز على مبدأ عدم الانحياز، مما يضمن لها استقلال قرارها بعيداً عن ضغوط القوى الكبرى.
🗣️ وزير الخارجية الجزائري: "الجزائر لا تقايض مبادئها بمنافع عابرة. استقلالية القرار الجزائري هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه."
4.2. الثقل الإقليمي والمنافسة الجيوسياسية
إن تمسك الجزائر بالرفض القاطع هو أيضاً أداة لتعزيز ثقلها ودورها كقوة إقليمية رائدة.
تحليل صحفي عالمي (لوموند): "الجزائر تستخدم القضية الفلسطينية كأداة قوية للدبلوماسية المضادة، مؤكدة على دورها كقوة معارضة للنظام الإقليمي الذي تقوده دول عربية مطبعة..."
