الحكم الذاتي كخيار أخير: لماذا تهدد حكومة الشرق بتفكيك ليبيا رداً على "هيئة الرئاسات"؟
بقلم: رمال سياسية
لم يكن بيان الحكومة الليبية المُكلفة من البرلمان في الشرق مجرد رفض إداري لكيان جديد في طرابلس؛ بل كان إعلان نوايا خطير يلوّح بـ"خيار الحكم الذاتي" في حال فشل المسار الانتخابي. هذا التهديد، الذي جاء رداً على تأسيس "الهيئة العليا للرئاسات" في طرابلس، يضع على الطاولة حقيقة مرة: أن لعبة "وحدة المؤسسات" قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن الانقسام قد يتجاوز الحكومات المتنافسة ليصل إلى تفتيت الهيكل الإداري للدولة الليبية.
1. تحليل الصدمة: الهيئة العليا للرئاسات.. كيان ولد ليموت
أُعلنت "الهيئة العليا للرئاسات" في طرابلس، بمشاركة المنفي (المجلس الرئاسي)، وتكالة (المجلس الأعلى للدولة)، والدبيبة (حكومة الوحدة الوطنية). هدفها المعلن هو "تنسيق القرار الوطني وتوحيد المواقف". ولكن من منظور الشرق، لم تكن الهيئة سوى محاولة لتجميع الشرعية المتناقصة للأطراف الغربية، وتشكيل جبهة موحدة لمواجهة ضغط البرلمان وحكومة الشرق المطالبين بتنحي الدبيبة وإجراء الانتخابات.
لماذا رفض الشرق؟
جاء الرفض الشرقي، بقيادة أسامة حماد، مُرتكزاً على أساس دستوري وقانوني قوي في سياق الانقسام الحالي:
- **الشرعية التشريعية:** أكدت حكومة الشرق في بيانها أن "صلاحية إنشاء الأجسام التنفيذية والتشريعية حصرية لدى مجلس النواب". هذا التفسير يعيد مركزية القرار إلى البرلمان في الشرق، ويسحب الشرعية من أي كيان جديد يُعلن في طرابلس دون تفويض منه.
- **تجميد المسار الانتخابي:** اعتبر الشرق أن الكيان الجديد يهدف إلى "تعطيل المسار الانتخابي وافتعال أزمة دستورية"، مما يعني إطالة أمد بقاء حكومة الدبيبة التي انتهت ولايتها فعلياً بحسب البرلمان.
2. القنبلة الموقوتة: الحكم الذاتي كـ"خيار استراتيجي"
تهديد حكومة الشرق بالمطالبة بـ"الحكم الذاتي" (أو الفيدرالية الضمنية) في حال استمرار التعطيل الانتخابي هو القنبلة الحقيقية في البيان. هذا الخيار ليس جديداً على الذاكرة الليبية، إذ لطالما كانت المنطقة الشرقية (برقة) صاحبة المطالب التاريخية بالاستقلال الإداري والمالي.
دلالات التهديد الجيوسياسية:
- **السيطرة على الموارد:** الشرق يمتلك غالبية احتياطيات النفط الليبي وموانئ التصدير. التهديد بالحكم الذاتي يعني تهديداً مباشراً لتدفق الإيرادات إلى طرابلس، وهو ما يمثل أقصى درجات الضغط الاقتصادي.
- **الشرعية البديلة:** إذا تم تطبيق الحكم الذاتي، فإن حكومة الشرق ستتحول من "حكومة موازية" إلى كيان إداري مستقل يفرض سيادته الفعلية على إقليم واسع، مما سيجعل الانقسام عمودياً ومُقنناً.
3. المأزق الدولي: صراع الشرعيات والتدخلات الإقليمية
الساحة الليبية لا تزال ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. موقف حكومة الشرق، بالرغم من أنه لا يحظى بالاعتراف الدولي الواسع الذي تتمتع به حكومة الدبيبة في طرابلس، إلا أنه مدعوم بقوة من المؤسسة العسكرية في الشرق (القيادة العامة للجيش) ومن دول إقليمية رئيسية لها مصالحها الخاصة.
دور القوى الخارجية في تأجيج الأزمة:
- **الرعاة الإقليميون:** الدول الداعمة للشرق ترى في هذا التهديد أداة ضغط على الأطراف الغربية المدعومة من دول أخرى، للحيلولة دون تفرد طرابلس بالقرار السياسي والاقتصادي.
- **المجتمع الدولي:** بات المجتمع الدولي (وعلى رأسه بعثة الأمم المتحدة) في حيرة دائمة بين دعم الشرعية الدولية لحكومة طرابلس، وبين التعامل مع الشرعية الواقعية للبرلمان والمؤسسة العسكرية في الشرق. هذا التذبذب هو ما يمنح الأطراف الليبية الثقة في الاستمرار بالانقسام.
4. الخاتمة: السيناريوهات المحتملة ومستقبل الدولة الليبية
يضع تهديد الحكم الذاتي الكرة في ملعب جميع الأطراف. هناك سيناريوهان رئيسيان قد يترتبان على هذا التوتر المتزايد:
السيناريو الأول: الانصياع للضغط (الأكثر تفاؤلاً)
يؤدي تهديد الشرق إلى تفكيك "الهيئة العليا للرئاسات" وتوحيد الضغط الدولي والمحلي نحو عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعد قريب. هذا يتطلب تضحيات من حكومة الدبيبة والمجلس الأعلى للدولة ووضع مصالح الوطن فوق مصالح البقاء في السلطة.
السيناريو الثاني: التقنين للانقسام (الأكثر واقعية)
إذا استمرت طرابلس في تعميق هيمنتها عبر كيانات مثل "هيئة الرئاسات" واستمر تعطيل الانتخابات، فإن الشرق قد يشرع فعلياً في إقامة إدارات مالية وإدارية مستقلة، ربما تحت اسم "الفيدرالية المؤقتة". هذا سيؤدي إلى تجميد فعلي لمسار الوحدة الوطنية، وتصبح ليبيا رسمياً دولتين متنافستين تُديران ثرواتهما بمعزل عن بعضهما البعض، ليصبح "الحكم الذاتي" هو النهاية المرة لثورة 2011.
إن الدعوة لـ"سرعة إنجاز الانتخابات" هي المخرج الوحيد الذي يجمع عليه الطرفان شكلياً. لكن العبرة ليست في الدعوة، بل في إرادة التنازل عن الكراسي لصالح صناديق الاقتراع. وما لم يحدث ذلك، فإن رياح **"الحكم الذاتي"** ستعصف بما تبقى من رمال الدولة الموحدة.
