رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

 فضيحة جزيرة ليلى (تورة) 2002: لحظة الحقيقة.. كيف عرف المغرب حجمه بعد المساس بسيادة إسبانيا؟



بقلم: رمال سياسية


كانت صخرة، تبعد 200 متر فقط عن الشواطئ الإفريقية. لكنها لم تكن صخرة عادية، بل كانت قطعة محورية في لعبة "السيادة" التي لم تُغلق ملفاتها بالكامل بين المغرب وإسبانيا. أزمة جزيرة ليلى (بيريخيل) في يوليوز 2002 لم تكن مجرد مناوشة، بل كانت عملية كشف لحجم القوة المتباينة وللحدود التي لا يجب تجاوزها في عالم العلاقات الدولية الحديث. لقد كانت رسالة واضحة من مدريد والاتحاد الأوروبي مفادها: لا يمكن الاعتداء على السيادة الإسبانية، ولو بذرائع تاريخية مشروعة.

1. استفزاز السيادة: خرق للـ"وضع القائم"

جاء قرار المغرب إرسال مفرزة صغيرة من القوات الملكية البحرية إلى الجزيرة في 11 يوليوز 2002 بحجة مراقبة الهجرة والتهريب. لكن التفسير السياسي الإسباني اعتبره تحدياً مباشراً للسيادة الإسبانية القائمة بحكم الواقع والتاريخ الإداري، خاصة وأن الجزيرة لم تكن مأهولة عسكرياً من أي طرف منذ عام 1961. هذا الإجراء شكل تصعيداً غير محسوب، انتهك أهم مبدأ في القانون الدولي المعاصر: عدم تغيير الحدود أو الوضع الإقليمي بالقوة العسكرية.

"ما حدث كان محاولة لتغيير الوضع الراهن بالقوة، وهذا غير مقبول بين الدول المتحضرة. ردنا كان سريعاً وحاسماً وضرورياً للدفاع عن وحدة أراضينا وسيادتنا." — خوسيه ماريا أثنار (José María Aznar)، رئيس وزراء إسبانيا آنذاك، في تصريحات صحفية بعد انتهاء الأزمة.

أدركت مدريد أن أي تهاون في الرد كان سيعني منح المغرب سابقة قانونية لاستخدام القوة مستقبلاً في النزاع حول سبتة ومليلية. لذا، كان الرد بمثابة صدمة عسكرية وسياسية.

2. "روميو-سييرا": عملية عسكرية لا تترك مجالاً للشك

بعد رفض المغرب إخلاء الجزيرة، قررت إسبانيا تنفيذ "عملية روميو-سييرا" (Operación Romeo-Sierra) في 18 يوليوز. كانت العملية بمثابة استعراض للقوة العسكرية والجاهزية، وتمت في غضون دقائق قليلة بمشاركة مئات الجنود من القوات الخاصة (وحدات العمليات الخاصة) وبدعم جوي وبحري واسع. لم يكن الهدف استعادة الجزيرة فقط، بل إرسال رسالة ردع واضحة وصارمة.

تفاصيل الإهانة: الجنود والأكياس البلاستيكية

هنا تكمن اللحظة الأكثر مرارة في الذاكرة المغربية، والتي وثقتها تسريبات الفيديو لاحقاً. الجنود المغاربة الذين كانوا على الجزيرة (وعددهم ستة أو سبعة) تم تقييدهم، والأكثر إيلاماً هو وضع أكياس بلاستيكية بيضاء على رؤوسهم. هذه اللقطة التي انتشرت سراً، جسدت الإذلال العسكري والرمزي:

  • **التحليل الإنساني:** فُسّرت هذه المعاملة كـإهانة مقصودة للكرامة وتجريد الجنود من شرف البزة العسكرية، مما أثار غضباً شعبياً عارماً في المغرب.
  • **الرسالة الإسبانية:** أرادت مدريد تأكيد التفوق العسكري والسياسي بأن القوة هي الفيصل عندما يتم تجاوز الخطوط الحمراء للسيادة.
"لقد شاهدت صور الجنود المغاربة برؤوس مغطاة. إنه مشهد لا يمثل فقط إهانة، بل هو دليل على التعامل بعقلية متفوقة عسكرياً، وهو ما يغذي الشعور الوطني بأن القضايا العالقة لا تُحل بالندية، بل بفرض الأمر الواقع." — تعليق محلل مغربي في صحيفة "لوماتان" (Le Matin) تعقيباً على تسريب الصور.

تم تسليم الجنود لاحقاً إلى السلطات المغربية عن طريق مدينة سبتة المحتلة، لتكتمل حلقة المهانة، مؤكدة على هشاشة الموقف المغربي في مواجهة القوة الإسبانية المدعومة دولياً.

3. "حجم المغرب": الدرس السياسي والاستراتيجي

أثبتت الأزمة للمغرب حقيقتين مؤلمتين حول "حجمه" في الساحة الجيوسياسية الأوروبية، وأهمية احترام سيادة الجار الأوروبي:

أ. الغطاء الأوروبي والناتو: خط أحمر دولي

حصلت إسبانيا على دعم فوري وواسع من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما أظهر للمغرب أن أي مغامرة عسكرية ضد إسبانيا هي في الواقع مواجهة مع كتلة أوروبية وأطلسية عظمى. إن السيادة الإسبانية لم تكن مجرد قضية ثنائية، بل أصبحت قضية أمن جماعي.

ب. الوساطة الأمريكية: القوة الوحيدة القادرة على الإنهاء

الطرف الوحيد الذي استطاع إنهاء الأزمة لم يكن قوة إقليمية، بل وزير الخارجية الأمريكي، كولن باول. تدخل باول شخصياً، ليفرض حلاً يخدم المصالح الأمريكية في استقرار المضيق، وهو العودة الفورية إلى الوضع السابق (Status Quo Ante).

"لقد تدخلت الولايات المتحدة لأننا لا نريد أن نرى أي مواجهة عسكرية بين صديقين مقربين. لقد اتفق الطرفان على العودة إلى الوضع السابق (Status Quo Ante)." — كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، في مؤتمر صحفي بعد إعلان الاتفاق (نقلاً عن أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية).

هذا التدخل أكد أن المغرب لم يكن قادراً على تحمل تكلفة المواجهة، وأنه اضطر إلى قبول شروط العودة إلى "نقطة الصفر"، التي تعني الاعتراف بأن طريق السيادة يمر عبر طاولة المفاوضات وليس عبر الإنزال العسكري.

4. الخاتمة: تذكير أبدي بأهمية احترام السيادة

أزمة ليلى علمت المغرب أن التحدي المباشر لـالسيادة الإسبانية هو خط أحمر دولي يُجلب الرد العسكري الفوري والمدعوم أوروبياً. كما رسخت في الذاكرة الجمعية المغربية صور الإهانة العسكرية كدافع لـإصلاح المؤسسة العسكرية وتطوير القدرات الدبلوماسية لتجنب تكرار مثل هذه اللحظات. تظل الجزيرة صخرة جرداء، لكنها في التحليل السياسي تُمثل نقطة الضعف الاستراتيجية التي يجب ألا يُعاد اختبارها مرة أخرى. الاحترام المتبادل للسيادة، حتى في حالة الخلافات العالقة، يبقى هو الأساس الوحيد لجوار مستقر يخدم مصالح شعبي ضفتي المتوسط.



ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق