رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

أزمة "الذاكرة السيادية": اختفاء وثيقة الاستقلال الموريتانية… هل ضاعت هيبة الأرشيف الوطني؟



تقرير صحفي يكشف عن ضياع وثيقة الاستقلال الأصلية من الأرشيف الوطني الموريتاني، ما يثير تساؤلات جدية حول حفظ الإرث التاريخي للدولة وأمنه.

في قلب العاصمة الموريتانية نواكشوط، ومن داخل أروقة الأرشيف الوطني الذي يفترض أن يكون حصناً لذاكرة الأمة، كشف تقرير صادم لـ "إندبندنت عربية" أعده مراسلها قريني ولد أمينوه، عن **اختفاء وثيقة الاستقلال الموريتانية الأصلية**. حادثة ليست مجرد ضياع ورقة، بل هي تجسيد لأزمة عميقة تمس "الذاكرة السيادية" للبلاد، وتثير غضباً واسعاً ومخاوف جدية بين المثقفين والأكاديميين.

تعد وثيقة الاستقلال حجر الزاوية في بناء أي دولة حديثة، فهي تمثل العقد الاجتماعي بين الشعب والدولة، وشهادة ميلاد للأمة. إن ضياعها، بغض النظر عن الأسباب، يشكل ثغرة تاريخية وقانونية قد تتردد أصداؤها بعيداً.

■ تفاصيل صادمة: هكذا ضاعت شهادة الميلاد الوطنية

بحسب ما نقلته "إندبندنت عربية" عن الباحث في التاريخ، **محمد ولد سيدي**، فإن القصة بدأت عندما حاول الحصول على نسخة مصورة من الوثيقة الأصلية. يقول ولد سيدي:

"في إطار بحثي قبل سنوات، طلبت من إدارة الأرشيف الوطني تزويدي بوثيقة الاستقلال لتصويرها وإعادتها، لكنهم اعتذروا مرات متكررة، لتخبرني لاحقاً إحدى العاملات في الإدارة أن الوثيقة ضاعت بعدما أخذها باحث من الأرشيف الوطني لغرض البحث، ولم تعد إلى خزائن الأرشيف."

هذه الرواية، التي تشير إلى أن الوثيقة خرجت لغرض البحث ولم تعد، تلقي بظلال كثيفة من الشك حول بروتوكولات الحفظ والإعارة المتبعة في مؤسسة بحجم الأرشيف الوطني. كما أن ما هو متوفر اليوم في الأسواق من "نسخ كربونية غير موقعة" لا يحمل أي قيمة إدارية أو تاريخية حقيقية، بل تحول، بحسب ولد سيدي، إلى "سلعة يسترزق منها بعض البوابين".

■ اعتراف رسمي (متقاعد) ونداء للتحديث

لم تكن هذه المعلومة مجرد إشاعة، فقد أكدها موظف متقاعد من الأرشيف الوطني، فضل عدم الكشف عن هويته، مشيراً إلى أن "وثيقة الاستقلال ضاعت فعلاً قبل نحو عشر سنوات، نتيجة ضعف إجراءات الحفظ". ورغم إشارته إلى أن "الوضع تغير حالياً"، إلا أن هذا الاعتراف يكشف حجم الإهمال السابق.

من جانبه، دعا الباحث في الإدارة الموريتانية، **عبد القادر ولد سيداتي**، إلى ضرورة تحديث وضبط طرق الحفظ وفقاً للمعايير العلمية الحديثة. ورغم إشارته إلى تراجع تسريب الوثائق مؤخراً، إلا أن حادثة وثيقة الاستقلال تظل نقطة سوداء لا يمكن تجاوزها.

■ الأرشيف النهائي: حصانة أم هشاشة؟

تزداد خطورة القضية عندما نضعها في سياق تصنيف الوثائق. فالوثائق تمر بثلاث مراحل: الأرشيف الجاري، الأرشيف الوسيط، ثم **الأرشيف النهائي**. هذا الأخير يضم الوثائق ذات الطابع التاريخي البالغ الأهمية، ومن المفترض أن يُحفظ داخل مبنى الأرشيف الوطني الذي يقع في موقع شديد الحراسة (بالقصر الرئاسي في نواكشوط).

إن فقدان وثيقة بهذا الحجم من فئة "الأرشيف النهائي" يطرح تساؤلات جدية حول مدى فعالية نظام الحماية والرقابة، ويثير مخاوف بشأن مصير وثائق تاريخية أخرى قد تكون في عهدة هذه المؤسسة. إنها ليست مجرد ورقة؛ إنها رمز للسيادة والشرعية التاريخية.

■ الذاكرة الوطنية في خطر: دروس يجب تعلمها

تضع هذه الحادثة موريتانيا أمام تحدٍ كبير: تحدي حماية ذاكرتها الوطنية. فالدول تبنى على أسس تاريخية، وتوثق هذه الأسس عبر الأرشيف. إن الحفاظ على الوثائق الأصلية هو جزء لا يتجزأ من الحفاظ على الهوية الوطنية وتقديم رواية تاريخية موثوقة للأجيال القادمة.

يطالب الباحثون والمثقفون بضرورة:

  • **تعزيز الرقابة:** فرض إجراءات أمنية ورقابية صارمة على الوثائق التاريخية.
  • **تحديث أساليب الأرشفة:** تبني المعايير الدولية في الحفظ الرقمي والفيزيائي.
  • **المساءلة:** فتح تحقيق شفاف لمعرفة المسؤولين عن هذه الكارثة وتقديمهم للمحاسبة.

إن وثيقة الاستقلال ليست مجرد ورقة؛ إنها روح الأمة. وضياعها هو جرح في جسد الذاكرة الوطنية، يستدعي استنفاراً حقيقياً لترميم ما يمكن ترميمه، وحماية ما تبقى من كنوز تاريخية لا تقدر بثمن.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق