لواندا.. صفعة الوجود الدبلوماسي: غالي يتحدى وهم الحسم المغربي ويؤكد السيادة من قلب قمة أوروبا–أفريقيا
![]() |
| ابراهيم غالي أثناء استقباله في مطار لواندا انغولا 2025 |
في شهر نوفمبر 2025، تحولت العاصمة الأنغولية لواندا إلى منصة سياسية عالمية باستضافتها القمة السابعة بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي (AU-EU). كان الحضور البارز لرئيس الجمهورية الصحراوية والأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، حدثًا محورياً يمثل زلزالًا دبلوماسيًا عميقًا.
نقدم فيما يلي نص خطاب الرئيس كاملاً أمام القمة، يليه تحليلنا الاستراتيجي المُفصَّل لأبعاد هذا الوجود وتأثيره على ديناميكيات الصراع الإقليمي والدولي.
🎙️ نص خطاب رئيس الجمهورية الصحراوية، السيد إبراهيم غالي
فخامة السيد جواو لورينزو، رئيس جمهورية أنغولا، رئيس الاتحاد الإفريقي،
فخامة السيد أنطونيو كوستا، رئيس الاتحاد الأوروبي،
فخامة السيد أنطونيو غوتيرش، الأمين العام للأمم المتحدة،
معالي السيد محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي،
معالي السيدة أورسولا فون دير لاين، رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي،
أصحاب الفخامة والمعالي رؤساء الدول والحكومات والوفود الإفريقية والأوروبية،
الحضور الكريم،
وأنا أتشرف بالتوجه إلى هذه القمة السابعة بين الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي، لا يفوتني أن أعبر عن جزيل الشكر والتقدير إلى فخامة السيد جواو مانويل غونسالفيس لورينسو، ومن خلاله إلى الشعب الأنغولي الشقيق، على ما حظينا به من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وعلى الجهود الجبارة التي بذلها على رأس الاتحاد الإفريقي، وبالتعاون مع نظيره الأوروبي، لإنجاح هذه القمة التاريخية.
كما أتوجه بالتهنئة لنا جميعاً ونحن نشهد اليوم مرور خمس وعشرين سنة على هذه الشراكة الإفريقية الأوروبية، مثمنين النتائج الإيجابية المحققة في مختلف المجالات. إنه ربع قرن من عمل متواصل وتنسيق وتعاون وتوطيد لعلاقات تستفيد من الماضي وترنو إلى المستقبل المشرق لأجيال إفريقيا وأوروبا والعالم.
على أننا نطرح في الوقت نفسه تساؤلاً مشروعاً عن كيفية بلورة أثر ملموس وفعال لهذه الشراكة على واقع القارة الإفريقية، التي لا تزال تشهد عديد الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. من غير المعقول أن نشهد اليوم نسباً مقلقة في إفريقيا من مظاهر الفقر والتخلف والأمراض والأوبئة والنزوح والهجرة والبطالة والديون وغيرها.
فهذا واقع لا ينسجم مع المجهودات المشتركة، الكثيرة والمتنوعة، والتي تستحق كل التنويه والتثمين، والتي تم القيام بها لتسريع التقدم في التنمية، بشكل عام، وفي قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والطاقة المستدامة والأمن الغذائي والشباب والتحول الرقمي والتجارة والاستثمار وغيرها.
السيدات والسادة،
لا يمكن أن تمر المناسبة دون أن نهنئ أنغولا، شعباً وحكومة، وهي تخلد الذكرى الخمسين لعيد الاستقلال، والذي شكل محطة بارزة في كفاح الشعوب الإفريقية، على درب التخلص من آثار وتبعات حقبة أليمة من الاستعمار والميز العنصري والنهب والاستغلال البشع للموارد البشرية والمادية الإفريقية.
وتود الجمهورية الصحراوية أن تذكر هذه القمة بأنه لا تزال هناك **قضية تصفية استعمار، هي الأخيرة من نوعها في إفريقيا، لم تستكمل بعد**. ولا زال هناك شعب إفريقي، هو الشعب الصحراوي، يكافح بصبر وثبات، وينتظر منكم ومن المنتظم الدولي عامة، أن تتاح له أخيراً ممارسة **حقه المشروع، غير القابل للتصرف أو التقادم، في تقرير المصير والاستقلال**، على غرار بقية شعوب إفريقيا والعالم.
كما يتصادف عقد هذه القمة مع موضوع السنة الحالية، 2025، للاتحاد الإفريقي؛ " العدالة للأفارقة والأشخاص من أصل إفريقي من خلال التعويضات". إنها دعوة مفتوحة للعالم أجمع ولشريكنا الأوروبي لمعالجة هذا الملف بحكمة ومسؤولية، بما يضمن تعزيز العلاقة بين منظمتينا وشعوبنا، في خدمة العدالة والسلام والتعاون البناء والمثمر لصالح الجميع.
إن عماد الشراكة الإفريقية الأوروبية هو الحوار البناء والثقة اللازمة بين الطرفين، على أساس الاحترام المتبادل والتمسك بالقيم والمبادئ المشتركة، تلك التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي وتلك المجسدة في القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي.
إن الجمهورية الصحراوية تتطلع إلى دور فعال للاتحاد الأوروبي في استتباب السلم وإنهاء الحروب والنزاعات المسلحة المدمرة في إفريقيا، **والالتزام باحترام وتطبيق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الأوروبي**، وإيقاف أي تدخل أجنبي يستغل الأزمات ويؤجج التوتر والاحتقان، والعمل على ضمان حق الشعوب المقدس في تقرير مصيرها والسيادة على ثرواتها الطبيعية.
الجمهورية الصحراوية على ثقة بأن هذه القمة ستكون مناسبة لتجسيد الالتزام بالرؤية المشتركة لعام 2030، بما يراعي أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 وأولويات الاتحاد الأوروبي الاستراتيجية. فكل التوفيق والنجاح، شكراً والسلام عليكم.
تحليل استراتيجي: تفكيك "رسالة الكرامة" وتحدي وهم الحسم
لم يكن خطاب الرئيس غالي مجرد كلمة، بل وثيقة استراتيجية تحدد مواقف الجبهة المستقبلية. لقد ربطت الوثيقة بذكاء بين ضرورة استكمال التحرير (الحق السياسي) وضرورة تحقيق التنمية المستدامة (الحق الاقتصادي)، في مواجهة مباشرة مع الأطراف التي تحاول تجميد الصراع.
الأبعاد الاستراتيجية لمشاركة البوليساريو
1. ترسيخ الشرعية القارية والدولية
الحضور في قمة بهذا الثقل يُؤكّد أن البوليساريو ليست كيانًا هامشيًا، بل عضو فاعل في النظام الأفريقي. إنها تُعزّز وضعها كـ "عضو مؤسس" في الاتحاد الأفريقي. لمزيد من التفاصيل حول هذا البعد، يمكنك قراءة: تثبيت الشرعية الأفريقية: الجمهورية الصحراوية تتصدر قمة لواندا وتتحدى محاولات العزل.
2. مواجهة وجهاً لوجه مع وهم الحسم المغربي
تأتي هذه المشاركة في توقيت بالغ الحساسية، خصوصًا بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797، والذي ظنّت الرباط وحلفاؤها أنه قد حسم الصراع لصالحها عبر التركيز على "الجهود الواقعية". حضور غالي يمثل **تحدياً مباشراً** لهذا الاعتقاد، مؤكداً أن القضية الصحراوية لا يمكن عزلها ضمن قاعات مجلس الأمن فقط، بل هي حية وفاعلة على الساحة القارية والدولية. انظر تحليلنا لرد فعل الرباط: بعد قرار مجلس الأمن 2797: الجمهورية الصحراوية تُجبر المغرب على المواجهة في لواندا!
3. رفع القضية إلى المستوى القانوني والأخلاقي
بالإصرار على أن الصحراء الغربية هي "قضية تصفية استعمار، هي الأخيرة من نوعها في إفريقيا" يرفع غالي سقف النقاش إلى مستوى مسألة قانونية وأخلاقية تُلزم المجتمع الدولي بالتحرك. إن هذا التوصيف يستند إلى الأسس التاريخية للقضية. اقرأ تحليلنا المستفيض حول: آخر دولة مستعمرة في إفريقيا | الصحراء الغربية.
تفكيك رسائل غالي: الثبات والتنمية
- **الثبات على الاستقلال:** التأكيد على الحق "غير القابل للتصرف أو التقادم، في تقرير المصير والاستقلال"، يقطع الطريق على حلول الحكم الذاتي التي تتجاهل الإرادة الحرة والكاملة للشعب الصحراوي. (لتعميق فهمك لدور الجبهة، اقرأ: ماهي جبهة البوليساريو).
- **دبلوماسية التنمية:** مطالبة غالي بتحويل الخطابات إلى "خطط عملية" في قطاعات الطاقة المستدامة، التعليم والصحة، تضع البوليساريو **كشريك تنموي لا طرف نزاع فقط**، وهو ما يجذب الأنظار الأوروبية الباحثة عن الاستقرار.
- **الشرط القانوني:** ربط الدعوة لدور فعال للاتحاد الأوروبي بـ **"الالتزام باحترام وتطبيق القانون الدولي والقانون الأوروبي"** هو رسالة واضحة بضرورة الابتعاد عن أي دعم ينتهك الشرعية الدولية.
خاتمة: تأكيد الدولة والكرامة
مشاركة إبراهيم غالي في قمة لواندا لم تكن مجرد حضور عابر؛ إنها **لحظة استراتيجية فارقة**. لقد نجح الخطاب في إرسال رسالة مزدوجة: سياسية-تحررية عن حق تقرير المصير، ورسالة تنموية-مستقبلية عن الاستعداد للشراكة العادلة. هذه الخطوة تعزز الشرعية الصحراوية، وتضغط دبلوماسيًا على الخصوم، وتفتح آفاقًا جديدة للمناورة الدبلوماسية.
يجب على البوليساريو الآن أن تنتقل من "دبلوماسية التثبيت" إلى "دبلوماسية التنمية"، مع إبقاء خيار الكفاح السياسي والأممي مفتوحًا. لتحليل أعمق لمستقبل التفاوض، اقرأ: الحلول المتوقعة للقضية الصحراوية بعد تمديد بعثة المينورسو 2025–2026.
