في شهر نوفمبر 2025، تحولت العاصمة الأنغولية لواندا إلى منصة سياسية عالمية باستضافتها القمة السابعة بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي (AU-EU). ما جعل هذه القمة نقطة ارتكاز تحليلية لـ"رمال سياسية" هو الحضور البارز وغير التقليدي لرئيس الجمهورية الصحراوية والأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي. لم تكن هذه المشاركة مجرد "إجراء بروتوكولي" عابر، بل هي بمثابة زلزال دبلوماسي يحمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة لمستقبل القضية الصحراوية.

في هذا المقال المفصّل، نُحلل أبعاد هذه المشاركة، ونفكك شيفرة تصريحات غالي، ونُقيّم تأثيرها على ديناميكيات الصراع الإقليمي والدولي، مع نظرة استشرافية للفرص والمخاطر التي تلوح في الأفق.

📜 السياق: لماذا كانت قمة لواندا نقطة تحوّل؟

  • شراكة الـ 25 عامًا: القمة AU-EU، التي تتناول الأمن، التنمية، والهجرة، هي الإطار الأهم للشراكة القارية-القارية. وضع القضية الصحراوية في هذا الإطار يرفعها من نزاع إقليمي إلى قضية ذات أبعاد دولية.
  • آخر قضايا تصفية الاستعمار: البوليساريو تصرّ على أن الصحراء الغربية هي "آخر قضية تصفية استعمار في إفريقيا" (اقرأ تحليلنا المستفيض حول: آخر دولة مستعمرة في إفريقيا | الصحراء الغربية)، وهو الوصف الذي يضعها في صميم الالتزامات المؤسسية للاتحاد الأفريقي (AU).
  • تناقض الموقف الأوروبي: رغم تجديد الاتحاد الأوروبي موقفه بـ"عدم الاعتراف" بالدولة الصحراوية ثنائيًا، فإن السماح بمشاركة وفدها في قمة متعددة الأطراف (AU-EU) يُمثل فتحًا دبلوماسيًا تكتيكيًا يُبنى عليه.

🎙️ تصريحات إبراهيم غالي: تفكيك لـ "رسالة الدولة والكرامة"

"قضية الصحراء الغربية... هي آخر قضية تصفية استعمار في إفريقيا لم تستكمل بعد."

1. رفع القضية إلى المستوى القاري

شدّد غالي على مركزية قضية الصحراء الغربية لأمن وسلام القارة. هذا التصريح استراتيجية لرفع سقف النقاش؛ تحويل القضية من ملف نزاع ثنائي بين البوليساريو والمغرب، إلى مسألة قانونية وأخلاقية تُلزم المجتمع الدولي بالتحرك وفقًا لمبادئ تصفية الاستعمار. (لتعميق فهمك لدور الجبهة، اقرأ: ماهي جبهة البوليساريو).

2. لا تنازل عن تقرير المصير

بالتأكيد على "الحق المشروع وغير القابل للتصرف أو التقادم، في تقرير المصير والاستقلال"، يقطع غالي الطريق على أي محاولة لفرض حلول وسط (كالحكم الذاتي الموسّع) لا تستند إلى إرادة الشعب الصحراوي الحرة والكاملة. إنه يرسخ الموقف الثابت: الاستقلال الكامل أو لا شيء.

3. اشتراطات على الشراكة الأوروبية

دعوة الاتحاد الأوروبي للعب "دور فعال" مشروطة بـ"الالتزام بالقانون الدولي والقانون الأوروبي". هذا ليس ترحيبًا مطلقًا، بل هو نقد مبطّن يهدف إلى لجم أي دعم أوروبي لسياسات تخالف القانون الدولي، ويدعو لوقف التدخلات الأجنبية التي تستغل الأزمات.

4. التحول من خطاب إلى خطة عملية

مطالبة غالي بتحويل الخطابات إلى "خطط عملية" في التنمية (التعليم، الصحة، الطاقة المستدامة) هي الأهم في هذا الطرح. تضع البوليساريو نفسها **كشريك تنموي لا طرف نزاع فقط**، وهو ما يجذب الأنظار الأوروبية الباحثة عن الاستقرار والتنمية المستدامة.

🎯 الأبعاد الاستراتيجية والسياسية للمشاركة

1. ترسيخ الشرعية القارية والدولية

الحضور في قمة بهذا الثقل يُؤكّد أن البوليساريو ليست كيانًا هامشيًا. إنها تُعزّز وضعها كـ "عضو مؤسس" في الاتحاد الأفريقي، وتستثمر مبدأ "أجندة 2063" الأفريقية الذي يقوم على السيادة وتقرير المصير. لمزيد من التفاصيل حول هذا البعد، يمكنك قراءة: تثبيت الشرعية الأفريقية: الجمهورية الصحراوية تتصدر قمة لواندا وتتحدى محاولات العزل.

2. مواجهة وجهاً لوجه مع وهم الحسم المغربي

تأتي هذه المشاركة في وقت بالغ الحساسية، خصوصًا بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797 (الذي يُفترض أنه تم تمديده مؤخراً)، والذي ظنّت الرباط وحلفاؤها أنه قد حسم الصراع لصالحها عبر التركيز على "الجهود الواقعية" لتسوية النزاع. حضور غالي في قمة بهذا الوزن، إلى جانب قادة أفارقة وأوروبيين، يمثل تحدياً مباشراً لهذا الاعتقاد. إنه يؤكد أن القضية الصحراوية، بصفتها قضية تصفية استعمار، لا يمكن عزلها ضمن قاعات مجلس الأمن فقط، بل هي حية وفاعلة على الساحة القارية والدولية. هذا الحضور يرسل رسالة واضحة بأن البوليساريو ترفض أي محاولة لتقزيم النزاع أو تجاوز حق تقرير المصير الكامل.

3. رسالة رمزية للشعب الصحراوي

بالنسبة للمواطنين الصحراويين، سواء في المخيمات أو المناطق المحررة، هذا الحضور هو تأكيد على حيوية الدولة واستمرار الكفاح. إنه يعزز الوحدة الوطنية ويقوّي الروح المعنوية والسياسية في مواجهة التحديات اليومية.

⚠️ المخاطر والفرص: ما وراء الأفق الدبلوماسي

التحديات والمخاطر

  • ثبات الموقف الأوروبي: المشاركة لا تلغي عدم الاعتراف الثنائي للاتحاد الأوروبي، مما يحد من المكاسب الرسمية.
  • الرد المغربي المضاد: من المتوقع أن يرد المغرب بتكثيف دبلوماسيته الاقتصادية والإقليمية لتقويض أي مكسب صحراوي.
  • محدودية الإمكانيات التنموية: قدرة البوليساريو على تحويل "الخطة التنموية" إلى واقع على الأرض قد تكون محدودة دون دعم دولي قوي ومستدام.
  • خطر الاستغلال السياسي: قد تستغل أطراف ثالثة (أو دول) هذا المنبر لخدمة أجنداتها الخاصة، تحت ستار دعم تقرير المصير.

الفرص الاستراتيجية

  • استقطاب دعم أفريقي أوسع: بناء تحالفات قارية جديدة مع دول تؤمن بالاستقلال والسيادة في إطار أجندة AU 2063.
  • جذب التمويل التنموي الأوروبي: من خلال الدعوة إلى خطط عملية (طاقة، تعليم)، يمكن للبوليساريو أن تصبح شريكًا لمؤسسات تنموية أوروبية بعيدًا عن نزاع السيادة.
  • تحويل النقاش: نقل المناظرة من مجرد "نزاع سياسي" إلى "خطة تنموية-بشرية واضحة" تزيد من مصداقيتها كدولة مستقبلية.

💡 توصيات لـ "رمال سياسية" (الاستشراف المستقبلي)

"يجب على البوليساريو أن تنتقل من 'دبلوماسية التثبيت' إلى 'دبلوماسية التنمية'، مع إبقاء خيار الكفاح السياسي والأممي مفتوحًا."
  • بناء خارطة طريق تنموية-دبلوماسية: الربط الوثيق بين قضية تقرير المصير والمشاريع الاقتصادية لجذب دعم ملموس.
  • توظيف الإعلام الدولي بذكاء: استخدام قمة لواندا كمنصة إعلامية لتسليط الضوء على القضية كقضية كرامة وتنمية، وليس فقط نزاعًا مسلحًا.
  • الاستعداد لمعارك تفاوضية: يجب تشكيل فريق قانوني ودبلوماسي قوي وموحد للمراحل القادمة في الأمم المتحدة وغيرها من المنابر القارية. (لتحليل أعمق لمستقبل التفاوض، اقرأ: الحلول المتوقعة للقضية الصحراوية بعد تمديد بعثة المينورسو 2025–2026).

خاتمة: تأكيد الدولة والكرامة

مشاركة إبراهيم غالي في قمة لواندا لم تكن مجرد حضور عابر؛ إنها لحظة استراتيجية فارقة. لقد أرسل غالي رسالة واضحة متعددة الأوجه: رسالة سياسية-تحررية عن حق تقرير المصير، ورسالة تنموية-مستقبلية عن الاستعداد للشراكة العادلة. هذه الخطوة تعزز الشرعية الصحراوية، وتضغط دبلوماسيًا على الخصوم، وتفتح آفاقًا لتنمية تستند إلى مبادرات عملية.

هذا الحدث يشكّل نقطة انعطاف يجب تحليلها ليس فقط من منظور القضية الصحراوية وحدها، بل من منظور تحول العلاقات القارية، دور القانون الدولي، وآفاق التنمية والاستقلال في القرن الواحد والعشرين.