🛑 القرار الأوروبي المعلّق: انقلاب تشريعي قد يغيّر مستقبل تعامل الاتحاد الأوروبي مع الصحراء الغربية
معركة قانونية–سياسية تكشف حدود السلطة التنفيذية وتعيد الاعتبار لقرارات القضاء الأوروبي
(مقال تحليلي – رمال سياسية)
تشهد مؤسسات الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ التشريع الأوروبي المرتبط بالنزاعات الدولية. فبعد أشهر من الجدل القانوني والعاصفة السياسية التي أثارها تعديل المفوضية الأوروبية للائحة وضع علامات المنشأ على المنتجات الزراعية القادمة من إقليم **الصحراء الغربية**، يقف البرلمان الأوروبي اليوم أمام اختبار تاريخي: هل ينحاز لسيادة القضاء الأوروبي ولقواعد القانون الدولي، أم يخضع لاعتبارات المصالح التجارية والدبلوماسية مع المغرب؟
هذا التصويت — المعروض بموجب المادة 114 الفقرة 3 من النظام الداخلي للبرلمان — يشكل في جوهره **انقلابًا على محاولة المفوضية الأوروبية الالتفاف على أحكام محكمة العدل الأوروبية**، التي أكدت بشكل قاطع أن الصحراء الغربية ليست جزءًا من المغرب وأن أي منتج صادر منها يجب أن يوضع عليه منشأ “الصحراء الغربية” وليس “المغرب” أو أسماء جهات مغربية مفروضة.
ويأتي هذا التطور في سياق دولي متوتر، فالقضية الصحراوية دخلت مرحلة حساسة بعد **القرار 2797 للبرلمان الأوروبي**، الذي أعاد التأكيد بشكل واضح على أن النزاع لم يُحسم بعد، وأن الإقليم لا يتمتع بوضع نهائي، ما يفرض على مؤسسات الاتحاد الأوروبي الالتزام الصارم بالشرعية الدولية.
1. المفوضية الأوروبية في مواجهة القضاء: صدام لم يعد بالإمكان إخفاؤه
1.1. الحكم الفاصل: الصحراء الغربية إقليم منفصل
في سلسلة من الأحكام التاريخية، أبرزها: القضية C-779/21 P، والقضية C-799/21 P، والحكم الأحدث والأكثر حسماً: **C-399/22**، أكدت محكمة العدل الأوروبية بشكل لا لبس فيه، وفي فقرتها الجوهرية التي باتت مرجعاً في كل مناقشة داخل البرلمان:
“إقليم الصحراء الغربية يجب اعتباره إقليماً جمركياً منفصلاً عن المملكة المغربية لأغراض تطبيق المادة 60 من اللائحة (الاتحاد الأوروبي) رقم 952/2013… ولا يجوز الإشارة إلى المغرب كبلد منشأ لمنتجات منشؤها الصحراء الغربية.”
بهذا النص، وضعت المحكمة حداً لمحاولات طويلة استمرت منذ 2016 لدمج الإقليم قسرياً داخل المنظومة التجارية الأوروبية كجزء من المغرب.
1.2. مناورة المفوضية: التعديل المثير للجدل
بعد الحكم، لم تلجأ المفوضية إلى تطبيق قرار المحكمة حرفياً، بل أصدرت تعديلًا على اللائحة المفوضة 2023/2429 يتضمن حلاً “غير مباشر” يحقق مطلب الرباط عبر استبدال بلد المنشأ الحقيقي (الصحراء الغربية) بتسمية **“المنطقة التي ينتمي إليها المنتج”** مثل: الداخلة–وادي الذهب أو العيون–الساقية الحمراء، وذلك تطبيقاً لاتفاق الشراكة **2/2025** بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، الذي ينص صراحة على منع الإشارة إلى الصحراء الغربية في الوثائق التجارية.
برأي الخبراء القانونيين في البرلمان: “المفوضية حاولت الالتفاف على حكم المحكمة عبر إدخال تعديل إداري يخفي اسم الإقليم دون أن يغيّر الوضع القانوني له.”
2. البرلمان الأوروبي يرد: حماية المستهلك الأوروبي ليست مجالاً للتفاوض
2.1. تضليل المستهلك: الحجة الذهبية لمقدّمي اعتراض البرلمان
في النقطة (4) من مشروع قرار الاعتراض، يشير البرلمان إلى أن:
“أكثر من 70% من المستهلكين في الاتحاد الأوروبي يحددون قرارات شراء المواد الغذائية بناءً على المعلومات الواردة على الملصقات.”
وبالتالي، فإن وضع “الداخلة” أو “العيون” على منتج دون الإشارة إلى أن المنشأ الحقيقي “الصحراء الغربية – إقليم غير مستقل” يجعل المستهلك يعتقد — خطأً — أن المنتج مغربي. ويؤكد البرلمان في النقطة (3) أن التعديل لا يتوافق مع هدف اللائحة الأصلية (1308/2013) الذي يهدف إلى تمكين المستهلكين من **"خيارات غذائية مستنيرة وشفافة"**.
2.2. انتهاك اللائحة 1308/2013
تنص اللائحة على ضرورة تقديم معلومات دقيقة وغير مضللة. وبحسب تقرير لجنة البيئة والغذاء، فإن لائحة المفوضية تخالف الهدف الأصلي للائحة 1308/2013 وتتناقض مع أحكام القضاء، وتؤسس لسابقة خطيرة تسمح للمفوضية بتجاوز النصوص القضائية عبر تعديلات تقنية، وهو ما يُعد انتهاكاً مباشراً لنص المادة **76** التي تستند إليها المفوضية في تعديلها.
3. البعد الجيوسياسي: القضية الصحراوية تعود إلى قلب مؤسسات الاتحاد الأوروبي
3.1. علاقة مباشرة بقرار البرلمان الأوروبي 2797
القرار **2797** الصادر عن البرلمان الأوروبي بشأن “وضع الصحراء الغربية” أكد بشكل صريح على ما يلي:
“القضية الصحراوية لم تُحسم بعد، ولا يمكن للاتحاد الأوروبي الاعتراف بأي سيادة مفترضة على الإقليم قبل التوصل إلى حل عبر الأمم المتحدة.”
هذا القرار يضع إطارًا يقيّد محاولات المفوضية الالتفاف على الأحكام ويعزز من صلاحية البرلمان في رفض أي لائحة تتعارض مع الوضع القانوني للإقليم. وبالتالي، التصويت الحالي ليس مجرد نقاش حول وضع العلامات؛ بل معركة مرتبطة مباشرة بالموقف المبدئي للاتحاد من النزاع.
3.2. موقف الاتحاد الإفريقي ودور أنغولا
بالتزامن مع هذا النقاش الأوروبي، حضرت الجمهورية الصحراوية رسمياً في قمة **الاتحاد الإفريقي–الاتحاد الأوروبي 2025 في أنغولا**، في حدث سياسي اعتبره محللون “تأكيداً لدعم إفريقيا للموقف القانوني الدولي”. دمج هذا الرابط يعزز من السياق الجيوسياسي للمقال، لأنه يبين أن القضية الصحراوية أصبحت جزءاً من مشهد دولي متعدد المستويات يشمل أوروبا وإفريقيا.
📚 للتوسّع حول هذا الجانب الجيوسياسي:
اقرأ أيضاً: حضور الجمهورية الصحراوية في قمة إفريقيا–أوروبا 2025 في أنغولا
4. مواقف الكتل البرلمانية وتصريحات المسؤولين: الانقسام العميق
4.1. الانقسام داخل الكتل البرلمانية
رغم وجود ضغوط من دول الجنوب الأوروبي ذات المصالح التجارية مع المغرب (خاصة إسبانيا وفرنسا)، إلا أن الموقف القانوني حشد تأييداً قوياً داخل الكتل الكبرى:
- مجموعة الخضر (Greens): صرّحت المتحدثة باسمهم في لجنة التجارة الدولية: “لا يمكن للبرلمان الأوروبي أن يسمح بتمرير لائحة تخالف أحكام محكمة العدل. هذا انتهاك خطير لدولة القانون.”
- مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين (S&D): صرّح نائب رئيس المجموعة: “المفوضية ارتكبت خطأً فادحاً حين حاولت اللعب على الألفاظ. إقليم غير مستقل يعني أنه ليس مغربياً.”
- حزب الشعب الأوروبي (EPP): صرح أحد مقرريه بأن: “المستهلك الأوروبي ليس طرفاً في نزاع سياسي. لكنه يستحق شفافية كاملة، وهذا ما لا توفره اللائحة الحالية.”
4.2. تصريحات مسؤولي الاتحاد الأوروبي
رغم محاولات المفوضية التخفيف من حدة القرار، إلا أن تصريحات كبار مسؤولي الاتحاد سابقاً كانت تؤكد الالتزام بالقضاء:
-
جوزيب بوريل (الممثل الأعلى للشؤون الخارجية): في إجابة رسمية سابقة (2023)، قال بوريل:
“الاتحاد الأوروبي لا يعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وسيتصرف وفقاً للأحكام القضائية الصادرة عن محكمة العدل.”
-
المفوضة المعنية بالزراعة: صرّحت بأن:
“التعديل المقترح هدفه تسهيل التجارة وليس اتخاذ موقف سياسي.”
لكن منتقديها يؤكدون أن تسهيل التجارة لا يبرر مخالفة القانون الدولي.
5. ماذا سيحدث بعد التصويت؟ سيناريوهات حاسمة
التصويت في البرلمان سيحدد مسار اللائحة، ونحن أمام سيناريوهين رئيسيين:
5.1. في حال تمرير الاعتراض (الانتصار للبرلمان)
تُرفض اللائحة المفوضة نهائياً ويُمنع دخول التعديل حيز التنفيذ. وهذا يعني:
- **إلزام المفوضية:** تُجبر المفوضية على إصدار لائحة جديدة تتضمن صراحة: “الصحراء الغربية” كمنشأ إلزامي للمنتجات.
- **انتصار قانوني:** يعتبر هذا انتصاراً سياسياً غير مسبوق للبوليساريو والمدافعين عن الحق في تقرير المصير في ساحة الاتحاد الأوروبي.
- **تجميد الاتفاقيات:** ستضطر المفوضية إلى تجميد العمل بالاتفاقيات التي تشمل الإقليم أو إعادة التفاوض مع المغرب، مما سيؤثر على اتفاقيات الصيد البحري والزراعة.
5.2. في حال فشل الاعتراض (انتصار للمفوضية/المغرب)
تدخل اللائحة حيز التنفيذ. لكن هذا سيعني أن الأزمة قد دخلت مرحلة جديدة من التعقيد، وسيؤدي مباشرة إلى:
- **طعون قضائية جديدة:** رفع طعون جديدة أمام محكمة العدل الأوروبية ضد اللائحة التي أقرها الاتحاد، متهمة إياه بـ “خرق” قراراته القضائية العليا.
- **أزمة مؤسساتية:** نشوء أزمة مؤسساتية بين البرلمان والمفوضية، حيث سيعتبر البرلمان أن سلطته التشريعية (والممثلة لمواطني الاتحاد) قد تم تجاوزها.
- **صدام مع القرار 2797:** تآكل مصداقية القرار 2797 للبرلمان الذي أكد على وضع الإقليم غير المستقر.
6. خاتمة تحليلية
إن ما يجري في بروكسل ليس مجرد نقاش تقني حول وضع العلامات التجارية. إنها لحظة مفصلية تكشف حدود سلطة المفوضية، وقوة القضاء الأوروبي، وأهمية حماية المستهلك، وحساسية النزاعات الدولية داخل الاتحاد الأوروبي.
في ظل القرار 2797، وفي ظل أحكام محكمة العدل، وفي ظل التحولات الجيوسياسية الإفريقية، يبدو واضحاً أن القضية الصحراوية أصبحت في قلب المعادلة الأوروبية، وأن أي محاولة لتجاوز القانون لن تمر دون مقاومة.
وبغض النظر عن نتيجة التصويت، فإن هذا الجدل يعكس حقيقة أساسية: **القضية الصحراوية لم تُحسم بعد، والاتحاد الأوروبي بات أمام واجب مزدوج: احترام القانون الدولي وحماية المستهلك، دون الانجرار وراء الضغوط التجارية والسياسية.**
