رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

 فضيحة دانيال كالفان: جرح مفتوح في ذاكرة 


المغاربة



تحليل وتغطية معمقة للقضايا العربية والدولية من منظور موضوعي ومتزن.

: الصدمة التي هزت المملكة

في صيف عام 2013، اهتز الشارع المغربي على وقع قرار ملكي أثار صدمة غير مسبوقة. فقد شمل عفو ملكي عن السجين الإسباني دانيال كالفان فينا، المدان باغتصاب أحد عشر طفلًا مغربيًا. وبينما كانت الزيارة الرسمية للعاهل الإسباني إلى الرباط تمر في أجواء بروتوكولية، انفجرت موجة غضب عارمة في الداخل، لتتحول القضية إلى ما سُمّي لاحقًا بـ"فضيحة العفو عن كالفان" — واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ النظام المغربي الحديث.


خلفية القضية: ثلاثون عامًا تحولت إلى يومين

كان دانيال كالفان فينا، وهو مواطن إسباني يقيم في مدينة القنيطرة، قد أُدين سنة 2011 بالسجن ثلاثين عامًا بعد ثبوت تورطه في اعتداءات جنسية بشعة على أطفال صغار. لم تكن الجريمة عادية، إذ صدمت الرأي العام المغربي وأثارت أسئلة حادة حول الحماية القانونية للأطفال في البلاد.

لكن بعد عامين فقط، جاء قرار العفو ليقلب الموازين. العفو صدر ضمن قائمة تضم 48 سجينًا إسبانيًا، بمناسبة زيارة الملك الإسباني خوان كارلوس إلى المغرب، لتتحول لحظة "دبلوماسية" إلى زلزال سياسي وأخلاقي. القرار لم يُلغِ حكمًا فحسب، بل أهان مشاعر الضحايا وأسرهم وغضب الشارع بأكمله.


الانتفاضة الشعبية والردّ الملكي غير المسبوق

انتقلت الصدمة بسرعة من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الشارع. خرج آلاف المغاربة في احتجاجات غير مسبوقة أمام البرلمان وفي عدة مدن كفاس وطنجة والدار البيضاء، مطالبين بتفسير رسمي للقرار وإلغائه. كانت الهتافات تعكس الرفض التام: لا عفو عن مغتصب الأطفال.

أمام هذا الضغط الشعبي العارم، اضطر الديوان الملكي المغربي لإصدار بيان نادر اللهجة، أقر فيه بأن العاهل المغربي لم يكن على علم بخطورة الجرائم المرتكبة، وأمر بـ سحب العفو فورًا وفتح تحقيق في ملابسات القرار وكيفية إدراج اسم كالفان. لاحقًا، تم توقيف كالفان في إسبانيا، لكن القضاء الإسباني رفض تسليمه إلى المغرب، ما زاد من حدة الغضب الشعبي والشعور بالإفلات من العقاب.


تحليل: بين الأخطاء الإجرائية والتأثير الشعبي

رغم محاولات التهدئة والتحقيق الذي أدى إلى محاسبة بعض المسؤولين، ظل التساؤل مطروحًا بقوة:

كيف يمكن أن يُدرج اسم مدان في قضايا اغتصاب أطفال ضمن قائمة العفو السيادية؟ ومن هي الجهة التي رفعت الملف دون مراجعة دقيقة أو التقدير اللازم لخطورة الجريمة وتبعاتها على الرأي العام؟

أظهرت القضية ثغرات عميقة في منظومة العفو الملكي وآليات إعداد اللوائح، وأكدت أن القرارات ذات الطابع السيادي ليست معصومة من الخطأ. لكن الأهم، أنها كشفت أن الرأي العام المغربي، رغم القيود السياسية، قادر على التأثير الفوري وتغيير مسار قرار صادر من أعلى هرم السلطة متى شعر بأن كرامته وحقوق مواطنيه تُهان.


تداعيات مستمرة: علامة فارقة في الوعي السياسي

رغم مرور أكثر من عقد على الحادثة، ما زالت فضيحة دانيال كالفان تُستحضر في كل نقاش عام حول الشفافية، وسيادة القانون، وحدود السلطة الملكية في المغرب. وحتى بعد الإفراج عن كالفان نهائيًا في إسبانيا عام 2018، لم تُطوَ الصفحة بالكامل، إذ بقيت رمزًا للفجوة بين العدالة الرسمية والعدالة الشعبية.

خلاصة تحليلية:

تكشف فضيحة دانيال كالفان عن الوجه الإنساني والسياسي للأخطاء السيادية. ففي حين حاولت السلطات المغربية تصحيح الخطأ بسرعة غير مسبوقة، فإن الحادثة عمّقت الشكوك في آليات صنع القرار وأثارت نقاشًا حول مساءلة السلطة في الأنظمة الملكية. أما بالنسبة للمغاربة، فقد تحولت القضية إلى علامة فارقة في الوعي السياسي، ودليل عملي على أن الضغط الشعبي قد يُغيّر حتى القرارات الصادرة من أعلى هرم السلطة.

📌 رمال سياسية: نظرة متوازنة

تابعوا "رمال سياسية" للمزيد من التحليلات المعمقة والموضوعية للقضايا التي تشغل الرأي العام العربي والدولي.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق