رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

🇩🇿 عفو مفاجئ: ما وراء إطلاق سراح بوَعْلام صنصال – قراءة في الانفتاح المحسوب 🇪🇺 


 

مقالة تحليلية لـ "رمال سياسية"

في خطوة لم تكن في الحسبان، أعلنت الرئاسة الجزائرية في 12 نوفمبر 2025 عن منح العفو للكاتب الجزائري-الفرنسي بوَعْلام صنصال، استجابةً لطلب إنساني تقدّمت به جمهورية ألمانيا الاتحادية. هذا القرار، الذي يُنهي فصلاً دام عاماً كاملاً من التوقيف والمحاكمة والحكم بالسجن، لا يُمثّل مجرّد تسوية لقضية فردية، بل هو منعطف دبلوماسي وسيادي يستدعي قراءة متأنية في دلالاته الداخلية والخارجية.

خلفية الأزمة: الصوت والمعادلة السيادية

بدأت الأزمة في نوفمبر 2024 بتوقيف صنصال، وحُكم عليه لاحقاً في مارس 2025 بالسجن خمس سنوات وغرامة مالية بتهمة "المساس بوحدة الوطن" على خلفية تصريحات صحفية. هذه القضية لم تكن عادية؛ فقد وضعت مسألة حرّية التعبير والنقد السياسي في مواجهة مباشرة مع مفهوم الدولة الجزائرية للسيادة والوحدة الوطنية، مما جعلها محطّ اهتمام دولي مكثّف، لاسيما بعد الكشف عن تدهور الوضع الصحي للكاتب وإصابته بالسرطان.

الجزائر، التي لطالما شدّدت على استقلاليتها القضائية ورفضها للتدخّل الأجنبي، وجدت نفسها في قلب ضغط دبلوماسي تقودُه فرنسا وألمانيا.

المحور الألماني: البُعد الإنساني كجسر دبلوماسي

جاءت نقطة التحوّل بناءً على تدخّل مباشر من فرانك-فالتر شتاينماير، رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية. هذا التركيز على البُعد "الإنساني" (تقدّم السنّ والوضع الصحّي) كان بمثابة صيغة الخروج الآمن للجزائر من مأزق قضائي ودبلوماسي متصاعد.

بيان الرئاسة الجزائرية كان حاسماً في تأطير القرار: تلبية "إيجابيّة" للطلب الألماني، مع تأكيد على أن برلين ستتولّى عملية النقل والعلاج الكامل. هذا التأطير الدقيق يخدم هدفين أساسيين:

  • داخلياً: يُبقي على الأساس القانوني السابق للحكم دون إلغاء، مما يحفظ هيبة القرار القضائي الأصلي.
  • خارجياً: يُجنّب أي مظهر من مظاهر "الخضوع" للضغوط الدولية، مقدّماً المبادرة كـ "لفتة إنسانية سيادية" تجاه شريك أوروبي هام.

قراءة الدلالات: بين التهدئة والتموضع الجديد

1. الدلالة الداخلية: الرسالة المزدوجة

قرار العفو يُعدّ محاولة لتهدئة الجدل الداخلي المحتدم حول حدود النقد وحرّية التعبير. لكنه يحمل أيضاً رسالة تحذيرية: السلطة قادرة على التحرّك الإنساني، لكنها ليست مستعدّة للتنازل عن الأساس القانوني الذي يقيّد التعبير السياسي. العفو، وإن كان منفذاً، فإنه يُدار من الأعلى ويُشير إلى أن التغيير في ملفات حرّية التعبير قد يكون تكتيكياً وليس جوهرياً، إذ لم يتم مراجعة أو إلغاء تهمة "الإخلال بوحدة البلاد" ذاتها.

2. الدلالة الدبلوماسية: تحوّل في التوازنات الأوروبية

يُشكّل التدخّل الألماني الناجح مؤشراً استراتيجياً بالغ الأهمية. ففي قضية ذات طابع فرنسي-جزائري عميق، أثبتت الوساطة الألمانية أن التحالفات الأوروبية تلعب دوراً تفاوضياً قد يفوق قوة العلاقات الثنائية التقليدية (الجزائر-فرنسا).

  • بالنسبة للجزائر: هو "امتصاص محسوب" لتوترات دولية دون تغيير في الموقف الجذري من انتقاد الدولة. إنه يُمهّد لـ "عهد جديد من التفاهم" مع شركائها، لكنه تفاهم يقوم على الإدارة الدقيقة للمواقف الحساسة.
  • بالنسبة لفرنسا: قد يُنظر إليه كإشارة على ضرورة إعادة تقييم شكل العلاقة مع الجزائر، مع تزايد أهمية المحاور الأوروبية الأخرى.

خلاصة "رمال سياسية": الانفتاح المحسوب

إن إطلاق سراح بوعْلام صنصال ليس نهاية لقضية، بل هو بصمة سياسية على المشهد الجزائري-الأوروبي. القرار يحمل لغة مزدوجة: لغة إنسانية في التنفيذ، ولغة سيادية في الأساس والرمزية. **ولمزيد من التعمق في الدوافع وراء هذا التحرك، يمكنك قراءة تحليلنا السابق حول ماذا تريد الجزائر من صفقة إطلاق سراح صنصال.**

من نافذة "رمال سياسية"، يمكننا وصف هذا القرار بأنه "انفتاح محسوب": مبادرة تُدار بذكاء لتخفيف الضغوط الخارجية والاستجابة للبعد الأخلاقي دون التضحية بالهيبة السيادية.

ما ينبغي متابعته الآن هو ما إذا كان هذا العفو سيبقى استثناءً يُدار من أعلى، أم أنه سيُشكّل تمهيداً لحوار أوسع بين الجزائر وشركائها حول ملفات حرّية التعبير والحقوق الثقافية. فالعفو، في هذه الحالة، ليس خاتمة بل فاتحة مرحلة جديدة سيتم فيها مسح بصمات الزمن في سجل العلاقات والثقة.

**رمال سياسية:** تحليل وتغطية معمقة للقضايا الدولية.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق