🇸🇩 السودان في نقطة اللاعودة: "الاستنزاف" يُشرعن الفوضى والسياسة تنتظر الحسم
تحليل مفصل لأحدث التطورات الميدانية والإنسانية والجيوسياسية (15 نوفمبر 2025)
منذ اندلاع شرارة الصراع في أبريل 2023، تحوّل المشهد السوداني إلى ساحة اختبار لاستراتيجيات الحرب بالوكالة الداخلية والإقليمية. اليوم، 15 نوفمبر 2025، يبدو أن طرفي النزاع، القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، قد انتقلا من مرحلة محاولة "الحسم السريع" في العاصمة إلى مرحلة **"الاستنزاف المتبادل"** في المحافظات والأطراف. هذا المقال يقدم تحليلاً معمقاً لآخر المستجدات على المحاور العسكرية والسياسية والإنسانية.
أولاً: التحولات الميدانية: من الخرطوم إلى كردفان.. استراتيجية "الإجهاد"
كانت الخرطوم مركز الثقل القتالي لفترة طويلة، لكن تركيز العمليات الأخيرة تحوّل إلى مناطق أخرى، لا سيما ولايتي كردفان ودارفور، وهما مناطق ذات أهمية استراتيجية ورمزية قصوى.
1. كردفان: مفتاح الجنوب الغربي
تُعد كردفان، بوقوعها في منتصف البلاد، شريان الإمداد وخط الدفاع الأخير عن الوسط ضد أي تقدم للدعم السريع من الغرب. إعلان الجيش عن استعادة السيطرة على نقاط حيوية مثل كازقيل وأم دم حاج أحمد في شمال كردفان هو أكثر من مجرد مكسب تكتيكي؛ إنه إشارة إلى:
- تغيير في تكتيكات الجيش: يعتمد الجيش الآن على استراتيجية استعادة المحيط أولاً، لتأمين طرق الإمداد وفك الحصار عن حامياته (مثل الفرقة 22 في بابنوسة) قبل محاولة أي هجوم واسع على المركز. النجاح في كردفان يعطي الجيش ثقلاً معنوياً يضعه في موقف أكثر قوة أمام داعميه الدوليين والمحليين.
- خطر انفلات الأمن: يشير تركيز القتال في هذه المناطق إلى أن الدعم السريع، رغم سيطرته الجزئية على الخرطوم، لم ينجح في تثبيت وجوده بالكامل في محيطه الاستراتيجي. لكن في الوقت ذاته، فإن الاقتتال في مناطق النزاع القبلي المعروفة تاريخياً يزيد من خطر تحول الحرب إلى صراع قبلي-جهوي واسع النطاق، يهدد بتقسيم المنطقة إثنياً.
2. دارفور: تثبيت النفوذ وتفكيك الدولة
على النقيض، يواصل الدعم السريع تثبيت نفوذه في دارفور، خصوصاً بعد سيطرته على الفاشر ومحيطها. تقارير اعتقال وزراء من حكومة الولاية تشير إلى مرحلة جديدة من تفكيك المؤسسات الإدارية للدولة واستبدالها بسلطة الأمر الواقع. هذا التفكيك له هدف مزدوج:
- تأمين العمق: جعل دارفور خلفية آمنة لإمدادات الدعم السريع وتجنيد مقاتلين جدد.
- فرض الأمر الواقع: خلق حقائق على الأرض يصعب التراجع عنها في أي مفاوضات مستقبلية، مما يجعل خيار تقسيم السلطة (أو حتى تقسيم الأراضي) أكثر واقعية.
ثانياً: المأزق الإنساني: الكارثة الأضخم والأصوات الخافتة
أصبح السودان اليوم مسرحاً لأكبر أزمة نزوح في العالم، حيث تجاوز عدد النازحين داخلياً وخارجياً الـ 10 ملايين شخص. هذا الرقم الهائل ليس مجرد إحصائية، بل هو دليل على انهيار شبه كامل للبنية الاجتماعية والخدمية.
- الأمن الغذائي والنهب: الأزمة تتجاوز النزوح إلى الخطر الوجودي المتمثل في انعدام الأمن الغذائي، حيث يواجه ملايين السودانيين المجاعة. وقد أدى النهب الممنهج للمخزونات الغذائية والمساعدات، إضافة إلى العوائق البيروقراطية التي يفرضها الطرفان، إلى شل حركة الإغاثة.
- القطاع الصحي في الانهيار: ما تكشفه شبكة أطباء السودان حول وفاة اختصاصيين، مثل الدكتور يوسف إبراهيم زكريا في الضعين، يسلط الضوء على الاستهداف المباشر وغير المباشر للقطاع الطبي. استمرار استهداف الأطباء والمستشفيات يقضي على أي أمل في تقديم خدمات الطوارئ للمدنيين.
ثالثاً: السياسة والتدويل: البحث عن ضاغط خارجي
في ظل غياب أي قناة تفاوضية فعالة منذ تعثر منبر جدة، تحوّلت الأنظار إلى أدوات الضغط الدولي:
- لعبة التعبئة مقابل الشرعية: إعلان البرهان المتجدد عن "التعبئة العامة" هو محاولة لـ"عسكرة" المجتمع ضد الدعم السريع، لكنه في الوقت ذاته يضع ضغوطاً هائلة على الجيش لـتجنيد وتدريب أعداد كبيرة بسرعة فائقة، الأمر الذي قد يضعف انضباط القوات. هذه الخطوة، من منظور السياسة الدولية، تُقوّض فكرة الدولة المركزية وتشرعن الميليشيات المسلحة.
- رهان التدويل: ترحيب وزارة الخارجية السودانية بقرار مجلس حقوق الإنسان الأممي حول الفاشر يمثل رهان الحكومة على آلية العقاب الدولي ضد قادة الدعم السريع. هذا التدويل، وإن كان بطيئاً، قد يصبح الأداة الوحيدة لـتغيير حسابات القوى الإقليمية التي تدعم الدعم السريع، عبر تهديدها بالمساءلة القانونية. ومع ذلك، تبقى فاعلية قرارات الأمم المتحدة محدودة ما لم تقترن بقرار حاسم من مجلس الأمن بفرض حظر أسلحة فعال ومراقبة دولية.
رابعاً: غياب الفاعل المدني
إن التطور الأشد خطورة هو تآكل الفاعل المدني في المعادلة. القوى المدنية، التي كانت تمثل الأمل في الانتقال الديمقراطي، تجد نفسها اليوم:
- مُهمَّشة ميدانياً: الحرب هي لغة الحوار الوحيدة، والسلاح هو مصدر الشرعية.
- مشتتة سياسياً: التشرذم وعدم القدرة على تقديم رؤية موحدة للسلام جعلها خارج دائرة صنع القرار، مما يترك الساحة السياسية حصرياً لقادة الحرب.
خلاصة "رمال سياسية"
في 15 نوفمبر 2025، يمر السودان بنقطة لا عودة وشيكة. استراتيجية **"الإجهاد المتبادل"** التي يمارسها الجيش والدعم السريع تضمن استمرار الصراع، وتعزز من خطر تفكيك السودان إلى مناطق نفوذ إقليمي متنافسة. ما لم يتمكن ضغط دولي وإقليمي موحد، مصحوب بآليات عقاب فعالة، من فرض وقف إطلاق نار حقيقي يليه مسار تفاوضي يركز على تفكيك الميليشيات وإعادة بناء الجيش تحت سلطة مدنية واضحة، فإن الدولة السودانية معرضة للانزلاق إلى حالة فوضى دائمة.
