رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

دعوةالبوليساريو للمفاوضات دون شروط: صرخة لتطبيق حق تقرير المصير في مواجهة الجمود الدولي



في يوم 29 نوفمبر 2025، وفي إطار الاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس المجلس الوطني الصحراوي، ألقى الأمين العام لجبهة البوليساريو ورئيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، السيد إبراهيم غالي، خطابًا حاسمًا أعاد فيه تأكيد موقف الجبهة الثابت والملح تجاه الحل السياسي للنزاع في الصحراء الغربية. لب التصريح كان استعداد البوليساريو للدخول في "مفاوضات دون شروط مسبقة، شريطة أن تكون مبنية على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير."

هذا التصريح، الذي تزامن مع تجدد الاشتباكات العسكرية واستمرار الجمود السياسي والدبلوماسي، هو مناورة استراتيجية تهدف إلى وضع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية.


I. السياق التاريخي والقانوني: تقرير المصير كشرط غير قابل للتفاوض

إن فهم أهمية تصريح إبراهيم غالي يتطلب العودة إلى الأساس القانوني للنزاع، وهو مبدأ حق تقرير المصير، الذي أقرته الأمم المتحدة منذ عام 1963 باعتباره أحد أقاليم تصفية الاستعمار.

1. الشرعية الدولية والقرار 1514

تستمد جبهة البوليساريو شرعية نضالها من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514، والذي يضمن لجميع الشعوب المستعمرة حقها في تقرير المصير والاستقلال. هذا المبدأ ليس خيارًا سياسيًا بل قاعدة آمرة في القانون الدولي.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية في عام 1975 أن الروابط التاريخية بين المغرب والإقليم لا ترقى إلى مستوى السيادة الإقليمية، وأن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير لا يزال قائمًا. البوليساريو تستخدم هذا الإطار القانوني لتأكيد أن أي مفاوضات لا تضع هذا الحق كهدف نهائي هي مفاوضات عقيمة.

2. مأزق المينورسو وجمود الاستفتاء

تأسست بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) عام 1991 بهدف وحيد هو تنظيم استفتاء حر ونزيه يقرر فيه الشعب الصحراوي مصيره. وعلى مدى ثلاثة عقود، فشلت هذه البعثة في تحقيق ولايتها الأساسية.

في هذا السياق، يأتي تصريح غالي ليؤكد أن العودة إلى المفاوضات يجب أن تكون العودة إلى الهدف الأصلي للبعثة: خلق الظروف لتمكين الشعب الصحراوي من اتخاذ القرار السيد بشأن مستقبله، بكل حرية.

3. القرار 2797 وصيغة "الواقعية"

يأتي تصريح غالي كرد فعل مباشر على الجمود المترتب على القرارات الأخيرة لمجلس الأمن، التي غالبًا ما تركز على صيغة "الواقعية وروح التوافق" وهي صيغة تُفهم على أنها تميل لدعم مقترح الحكم الذاتي. دعوة البوليساريو للمفاوضات "دون شروط مسبقة" هي محاولة لفصل القضايا التكتيكية عن الشرط الأساسي الوحيد لشرعية أي حوار، وهو حق تقرير المصير.


II. التحليل السياسي: دلالات "المفاوضات دون شروط" وتوقيتها

1. الرد على ادعاءات التعطيل

يسعى إبراهيم غالي إلى نزع ذريعة "تعطيل" العملية السياسية عن جبهة البوليساريو، ويثبت استعداد الجبهة للحوار. "دون شروط" تعني أن البوليساريو لن تضع شروطًا تكتيكية (مثل وقف التنقيب) مقابل العودة للطاولة، طالما أن الهدف النهائي هو تقرير المصير.

2. التوقيت: الذكرى الخمسون كمنصة سياسية

اختيار الذكرى الخمسين لتأسيس المجلس الوطني كمنصة لهذا التصريح يؤكد على الشرعية المؤسسية للجبهة. وهي رسالة للداخل بأن القيادة لا تزال ملتزمة بالمبادئ الأساسية للنضال، من "جيش التحرير الشعبي الصحراوي إلى الأرض المحتلة... إلى مخيمات العزة".

3. الفصل بين الوسيلة والغاية

في جوهرها، تفرق دعوة غالي بذكاء بين: الوسيلة (المفاوضات دون شروط) وهي عملية الحوار نفسها، والغاية (تقرير المصير) وهي النتيجة المرجوة والشرط المبدئي لشرعية العملية برمتها.


III. موقف الطرف الآخر: الموقف المغربي وتحدي "الحكم الذاتي"

1. الحكم الذاتي كـ "أقصى سقف" للحل

يعتبر المغرب مقترح الحكم الذاتي هو الحل "الوحيد والنهائي" و"أقصى سقف" يمكن تقديمه. ويرفض المغرب رفضًا قاطعًا إجراء أي استفتاء يتضمن خيار الاستقلال. بالتالي، تدعو البوليساريو المغرب إلى التخلي عن شرطه المسبق المتمثل في حصر المفاوضات ضمن إطار الحكم الذاتي.

2. المعضلة الجدلية: "دون شروط" مقابل "السيادة"

قد يفسر المغرب شرط البوليساريو (حق تقرير المصير) بأنه في حد ذاته شرط مسبق يقوض سيادته الإقليمية. الجمود الحالي يكمن في أن كل طرف يرى في مبدأ الطرف الآخر شرطًا مسبقًا غير مقبول.


IV. دور الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي: بين جهود الوساطة ومأزق "الواقعية"

1. البحث عن صيغة "ثالثة"

تضغط دعوة غالي على المبعوث الأممي الجديد للعودة إلى الأساس القانوني للنزاع، ومحاولة إيجاد تعريف متفق عليه لـ "الواقعية" لا يتعارض مع القانون الدولي. فإذا كانت "الواقعية" تعني التضحية بالحقوق الأساسية للشعوب، فإن العملية ستفشل حتمًا.

2. تحدي الجمود العسكري والسياسي

تصريح غالي جاء ليؤكد أن الجبهة مستمرة في نضالها العسكري، حيث أشاد بـ "جيش التحرير الشعبي الصحراوي". هذا الربط بين الاستعداد للمفاوضات والاستعداد للقتال هو رسالة واضحة: الجبهة مستعدة للحوار، ولكن ليس على حساب مبادئها، وستبقى الخيارات كلها مطروحة.


V. التأثير الإقليمي والدولي: دعم الجزائر وموقف الدول الكبرى

1. الإشادة بالجزائر: الثبات على الشرعية

أشاد غالي بـ "الموقف الرصين للدول التي دافعت بوضوح ومسؤولية عن مقتضيات الشرعية الدولية"، وخص بالذكر "الجزائر الشقيقة، التي ظلت، كما كانت دائماً، صوتاً حراً، صادحاً بالحق، منافحاً عن العدالة والشرعية الدولية."

هذه الإشادة تؤكد على العمق الاستراتيجي والدعم الجزائري الذي يمنح البوليساريو ثقة أكبر في مطالبتها بحق تقرير المصير، ويؤكد أن موقفها مدعوم من دولة إقليمية كبرى تدافع عن "الشرعية الدولية".

2. صمت القوى الكبرى وتحدي الاتحاد الأوروبي

تهدف دعوة غالي إلى إحراج القوى الكبرى، مطالبة إياها بالتعامل بصدق مع مبدأ تقرير المصير. كما أن هذا التصريح يأتي في ظل التطورات القانونية المتعلقة بمحكمة العدل الأوروبية، التي أكدت أن القانون الدولي لا يعترف بسيادة المغرب على الإقليم، مما يعزز موقف البوليساريو التفاوضي.



VI. الاستنتاجات والتوقعات المستقبلية: مصير السلام مرهون بـ "الحق"

1. المفاوضات: هل هي مدخل أم مخرج؟

بالنسبة للبوليساريو، المفاوضات هي مدخل إلزامي نحو الهدف النهائي: الاستفتاء وتقرير المصير. إن استعداد الجبهة للجلوس "دون شروط مسبقة" لا يعني التنازل عن الغاية، بل يعني إظهار المرونة في الوسيلة.

2. الكرة في ملعب الأمم المتحدة والرباط

التحدي الآن يقع على عاتق الأمم المتحدة في إقناع المغرب بالدخول في مفاوضات لا تستثني خيار الاستقلال، وعلى عاتق المغرب في اتخاذ قرار بين استمرار الجمود أو المغامرة بالجلوس على طاولة تفاوض مفتوحة.

3. سيناريوهات المستقبل

من المرجح أن يؤدي هذا التصريح إلى أحد السيناريوهات التالية:

  • **رفض مغربي متوقع:** اعتبار شرط تقرير المصير شرطًا مسبقًا غير مقبول، واستمرار الجمود.
  • **حوار استكشافي مشروط:** يوافق المغرب على العودة للحوار، لكن مع إصرار الأمم المتحدة على مناقشة إطارات "الواقعية" ضمن أجندة تحاول تهميش خيار الاستقلال.
  • **تصعيد عسكري ودبلوماسي:** مع تزايد الإحباط، تلجأ البوليساريو إلى زيادة الضغط العسكري على طول الجدار الرملي، وتكثيف حملتها الدبلوماسية والقانونية.

في النهاية، يظل تصريح إبراهيم غالي بمثابة تذكير صارخ للمجتمع الدولي: لا يمكن تحقيق سلام دائم وعادل في الصحراء الغربية إلا عندما يتم تفعيل حق شعبها في اتخاذ قراره السيد والمصيري، طبقاً لقرارات الأمم المتحدة ومبادئ الشرعية الدولية.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق