في خطوة ذات دلالة سياسية وعسكرية قصوى، توجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى باريس لعقد مباحثات مباشرة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. هذه الزيارة لم تكن مجرد بروتوكول عابر، بل كانت تهدف بشكل أساسي إلى **تعزيز قدرات كييف الدفاعية** خلال فصل الشتاء الذي يشهد تصعيداً روسياً مستمراً، خاصة بعد التدمير الممنهج للبنية التحتية الأوكرانية.
تناول اللقاء ملفات حساسة أبرزها زيادة الدعم العسكري، والتركيز على **أنظمة الدفاع الجوي** المتقدمة (مثل أنظمة SAMP/T أو باتريوت)، وهي عناصر تحتاجها أوكرانيا بشكل عاجل لصد الهجمات الصاروخية الروسية المتصاعدة التي تستهدف مراكز التوزيع والمدن الكبرى. وتُعد هذه الزيارات الدبلوماسية محاولة أخيرة لتأمين إمدادات الأسلحة قبل أن يتسبب الطقس البارد وتوحّل الطرق في صعوبة نقل الإمدادات إلى الجبهة. كما ناقش الطرفان خطط فرنسا لتدريب الطيارين الأوكرانيين واستمرار دعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا مالياً وعسكرياً على المدى الطويل.
للمزيد حول تفاصيل الزيارة وتحليلها، يمكنك قراءة تقرير "رمال سياسية" حول لقاء زيلينسكي في باريس.
على الأرض، تستمر القوات الروسية في تحقيق تقدم بطيء لكنه ثابت، خصوصاً في الجنوب والشرق. هذا التقدم يعكس تحولاً تكتيكياً روسياً من الهجمات الواسعة إلى **استراتيجية الضغط المستمر والاستنزاف**، مستغلين نقص الذخيرة لدى أوكرانيا. ففي منطقة زابوريجيا، تمكنت القوات الروسية من السيطرة على عدة بلدات مستغلة عوامل الطقس السيئ وانخفاض الرؤية الذي يحد من فاعلية الطائرات المسيّرة الأوكرانية، ما سمح لها بالتحرك دون الكشف المبكر من الدفاعات.
تشير تقارير ميدانية إلى أن روسيا تحاول الآن **تثبيت مواقعها الدفاعية** أكثر من توسيعها، مع تعزيز الخنادق وحقول الألغام في المناطق التي سيطرت عليها حديثاً. هذا التكتيك يهدف إلى استنزاف القوات الأوكرانية التي تحاول استعادة الأراضي قبل أن يتجمد الطين ويصبح التقدم أمراً شبه مستحيل.
للاطلاع على تحليل مفصل حول هذه التحركات، راجع تقريرنا حول التقدم الروسي في زابوريجيا.
تكتيك الرد الأوكراني:
أما أوكرانيا، وفي ظل نقص الذخيرة والمعدات الغربية، فتختار استهداف منشآت حيوية داخل العمق الروسي بواسطة الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، أبرزها مصافي النفط ومخازن الوقود. الهدف من هذه الضربات ليس عسكرياً بحتاً، بل اقتصادي؛ وهو تقليل تمويل روسيا لمجهودها الحربي عبر ضرب صادراتها النفطية وتقليل إيراداتها، مما يرفع الكلفة الداخلية للحرب على موسكو.
تعتبر جبهة الطاقة هي الأكثر خطورة على الصعيد الإنساني والمدني. تتعرض البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا لهجمات روسية متواصلة تستهدف محطات الكهرباء الحرارية والمائية، خطوط الغاز، والمستودعات الإستراتيجية. هذه الهجمات تهدف إلى إلحاق أكبر قدر من الضرر بشبكة الكهرباء قبل حلول أشد شهور البرد.
هذه الهجمات تسبب انقطاعات واسعة وممنهجة في الكهرباء والتدفئة، ما يهدد حياة ملايين المدنيين في فصل شتاء قارس يمكن أن يكون الأكثر قسوة منذ بداية الحرب. وتشير التقديرات إلى أن أوكرانيا خسرت نسبة كبيرة من قدرتها على توليد الطاقة، مما وضع الحكومة أمام تحدي تأمين مصادر بديلة وسريعة.
لتجاوز الأزمة، وقعت كييف اتفاقاً مهماً مع اليونان لتزويدها **بالغاز الطبيعي المُسال (LNG)** خلال الفترة الحاسمة بين ديسمبر 2025 ومارس 2026. هذا الاتفاق يوفر شريان حياة للطاقة عبر الموانئ اليونانية ثم عبر خطوط الأنابيب الأوروبية، لكنه لا يكفي لتغطية كل الاحتياجات المتزايدة، خاصة وأن نقل الغاز المسال مكلف ويعتمد على استقرار الأسعار العالمية.
ويمكن قراءة التحليل الكامل حول هذا الاتفاق ودلالاته الجيوسياسية في مقال اتفاق النفط والغاز LNG 2026.
باتت الطاقة الآن سلاحاً مستقلاً داخل الحرب، حيث تستخدمه موسكو كأداة ضغط لإغراق مدن أوكرانيا في الظلام والبرد، بينما تحاول كييف تأمين بدائل دولية قبل أن تتفاقم الأزمة الإنسانية وتؤدي إلى انهيار منظومة الخدمات الأساسية. إن صمود الشبكة الكهربائية في هذا الشتاء يساوي أهمية صمود الجنود على الجبهة.
تتفاقم الأزمة الإنسانية في أوكرانيا مع استمرار القصف العنيف، خاصة مع ورود تقارير عن استخدام الذخائر العنقودية والألغام المضادة للأفراد التي تخلّف مئات الضحايا بين المدنيين، وتجعل عمليات إزالة الألغام وإعادة الإعمار شبه مستحيلة في المناطق المحررة.
تبرز المنظمات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، مخاوف متزايدة من أن تؤدي موجات البرد الشديد وانقطاع التدفئة بشكل متكرر ومطول إلى **ارتفاع كبير في حالات الوفيات** بين الفئات الضعيفة، مثل كبار السن والأطفال، خصوصاً في المدن القريبة من خطوط المواجهة حيث يصعب إيصال المساعدات الإنسانية والطبية.
للاطلاع على هذه الجوانب الإنسانية بتفصيل أكبر، يمكن العودة إلى تحليل "رمال سياسية" حول تقييم الأمم المتحدة للأزمة الأوكرانية.
ومع تزايد الضربات على منشآت الطاقة، تلوح في الأفق احتمالات **نزوح جديد وواسع النطاق** نحو الغرب الأوكراني أو إلى دول الاتحاد الأوروبي المجاورة. هذه الموجات النزوحية تضع ضغطاً إضافياً على الحكومات الأوروبية التي تواجه أصلاً تحديات تتعلق بتمويل الدعم وإدارة التضخم، مما يعقد المشهد الاقتصادي والاجتماعي للقارة بأكملها.
يعتمد مسار الحرب خلال الأسابيع المقبلة على عدة عوامل حاسمة تشكل سيناريوهات المرحلة القادمة:
- تصعيد روسي مقابل نفاد الصبر الغربي:
- من المتوقع أن تزيد موسكو من ضرباتها على البنية التحتية المدنية والطاقة، محاولة كسر الإرادة الأوكرانية. في المقابل، يواجه الدعم الغربي تحديات تمويلية وسياسية داخلية قد تؤدي إلى تباطؤ وصول المساعدات.
- صمود الدفاعات الأوكرانية وتحدي اللوجستيات:
- نجاح كييف يعتمد على وصول مساعدات دفاعية غربية إضافية، خاصة الذخائر، والحفاظ على خطوط إمداد مستقرة رغم الصعوبات اللوجستية التي يفرضها الشتاء.
- تحركات دبلوماسية والبحث عن مخرج مؤقت:
- قد نشهد محاولات أوروبية متزايدة لفرض هدنة مؤقتة إنسانية، خاصة مع اقتراب أعياد الميلاد، لتخفيف الضغط الإنساني، لكن فرص نجاحها ضئيلة دون تغيير في المواقف الأساسية.
- حسابات الشتاء وتأثيرها على السياسة الداخلية:
- قدرة المدنيين على تحمل البرد القارس دون خدمات أساسية قد تفرض مساراً سياسياً جديداً داخل أوكرانيا، وتؤثر على مدى شعبية استمرار القتال.
ومع استمرار شلل قطاع الطاقة، يصبح الشتاء نفسه جبهة كاملة، قد تكون أكثر تأثيراً على مجريات الحرب من المدافع والدبابات. فالطقس البارد يحوّل كل انقطاع كهربائي إلى خطر وجودي، مما يزيد من الضغوط على صانعي القرار في كل من كييف وعواصم الغرب.
يبدو واضحاً أن شتاء 2025 – 2026 سيكون فاصلاً في الحرب الروسية – الأوكرانية. المعادلة هذا العام لم تعد مجرد اشتباكات عسكرية على خطوط التماس، بل أصبحت حرباً متعددة الأوجه: حرباً على الطاقة، والدبلوماسية المعقدة، والأهم، القدرة على الصمود الشعبي تحت الضغط.
ومع التحركات الجارية في باريس بحثاً عن الدفاع الجوي، وتقدم روسيا التكتيكي في الجنوب، وأزمة الطاقة التي يواجهها المدنيون، والأعباء الإنسانية المتصاعدة، يقف الصراع على مفترق طرق. القرارات المتخذة خلال هذا الفصل ستكون حاسمة في رسم شكل المرحلة المقبلة من الحرب، وتوازنات القوى الإقليمية، ومستقبل الاستقرار في أوروبا بأكملها.
