هل تملك البوليساريو القدرة على التصعيد الفعّال؟ تحليل استراتيجي للخيارات العسكرية في الصحراء الغربية
منذ انهيار اتفاق وقف إطلاق النار نهاية عام 2020 وعودة **جبهة البوليساريو** إلى خيار **الكفاح المسلح**، عاد النزاع في الصحراء الغربية إلى صدارة النقاشات الاستراتيجية. يتركز الجدل حول تساؤل محوري: هل تمتلك الجبهة، ذات القدرات العسكرية المحدودة مقارنة بالمغرب، خيارات حقيقية للتصعيد وتغيير قواعد اللعبة؟ أم أن عودتها إلى السلاح مجرد أداة لإبقاء الملف حيًا في ظل قيود جيوسياسية وواقعية واضحة؟
💥 الكفاح المسلح: خيار اضطراري لإحياء الملف السياسي
لا يمكن فهم استئناف القتال بمعزل عن حالة **الانسداد السياسي** التي دامت عقوداً. فمن منظور البوليساريو، أدت مفاوضات الأمم المتحدة غير المثمرة إلى تجميد ملف تقرير المصير، ما جعل العودة إلى السلاح ضرورة سياسية لإعادة فرض القضية على الأجندة الدولية.
تعتمد استراتيجية الجبهة الحالية على عمليات عسكرية متفرقة ومحدودة على طول **الجدار الرملي (جدار الدفاع المغربي)**. الهدف المعلن هو **استنزاف الخصم** وإبقاء الوضع غير مستقر، ما يطعن في "الأمر الواقع" الذي يسعى المغرب لترسيخه، ويؤكد استحالة تحقيق السلام دون حل سياسي يرتكز على الاستفتاء.
✅ مقومات التصعيد: الخبرة والمرونة
رغم الفارق الواضح في الميزانيات والتجهيزات العسكرية، فإن البوليساريو تمتلك مقومات تزيد من **قابليتها للاستمرار في التصعيد المنخفض الحدة**، وهي مقومات تعتمد على عوامل غير تقليدية:
- **1. الخبرة الجغرافية وتكتيكات العصابات:** تمتلك الجبهة خبرة تاريخية في حرب العصابات داخل جغرافيا صحراوية وعرة، مما يقلل من فعالية الأسلحة الثقيلة ويزيد من تكلفة الانتشار للجيش النظامي.
- **2. الامتداد الاجتماعي والدعم:** الدعم الشعبي الثابت داخل مخيمات تندوف يوفر عمقًا لوجستيًا واستدامة للموارد البشرية.
- **3. الاعتراف القانوني:** لا تزال الجبهة معترفاً بها دولياً كممثل شرعي، مما يتيح لها التحرك على جبهات متعددة: عسكرية وسياسية ودبلوماسية في آن واحد.
- **4. مرونة الأهداف:** العمليات العسكرية الخاطفة ومنخفضة التكلفة (Low-cost operations) تُبقي حالة التوتر دائمة، وتستنزف الخصم دون الحاجة إلى معارك تقليدية.
هذه المقومات تجعل الجبهة قادرة على إبقاء حالة **"اللاحرب – اللاحل"** في وضع متوتر، وهو الهدف الاستراتيجي الأهم.
📉 حدود القوة: القيود العسكرية والجيوسياسية
على الرغم من القدرة على الاستمرار، تواجه البوليساريو قيوداً تجعل تحقيق انتصار عسكري حاسم أمراً شبه مستحيل:
| القيود | التأثير |
|---|---|
| التفوق الجوي والتكنولوجي | الفارق الهائل في العتاد والدعم الخارجي يجعل أي محاولة لمعركة تقليدية محفوفة بالمخاطر. |
| التعقيد الدولي | غياب ضغط دولي حقيقي ومحايد يفرض على الأطراف تقديم تنازلات ملموسة. |
| الطابع الجغرافي للنزاع | صعوبة تخطي الجدار الرملي بفاعلية وعبور المناطق الملغومة والمراقبة إلكترونياً. |
📢 التصعيد كـ "ورقة ضغط" على المجتمع الدولي
يُفهم التصعيد في الاستراتيجية الصحراوية الحديثة على أنه وسيلة **لإعادة التوازن الاستراتيجي** بعد سنوات من تراجع الاهتمام الدولي بالملف. الهدف ليس النصر العسكري، بل إرسال رسالة مفادها:
"الجمود السياسي ليس خيارًا قابلاً للاستمرار، وأي تجاهل لحق تقرير المصير سيقود إلى زعزعة الأمن الإقليمي وإغراق المنطقة في نزاع مفتوح ومتصاعد."
وفي هذا الإطار، تتكامل العمليات العسكرية مع توسيع دائرة الخطاب الدبلوماسي داخل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، لإظهار مسؤولية القوى الكبرى عن استمرار النزاع.
خلاصة رمال سياسية: تمتلك جبهة البوليساريو **قابلية حقيقية للتصعيد المدروس** الذي يحفظ الضغط على الطرف الآخر والمجتمع الدولي. لكن هذا التصعيد يظل **وسيلة سياسية** في المقام الأول، وليس مساراً لتحقيق نصر عسكري تقليدي. ومع استمرار المناورات الدولية، يبدو أن المنطقة تتجه إلى مرحلة طويلة من **التوتر منخفض الحدة**، تضمن بقاء القضية حية على طاولة التفاوض الدولي.