رمال السياسة مدونة تهتم بأخبار الصحراء الغربية وتحليل تطوراتها السياسية

 رأس الحربة ودرع المبادئ: كيف أدارت دبلوماسية الجزائر معركتي فلسطين والصحراء الغربية في مجلس الأمن



تحليل معمق للسياسة الخارجية الجزائرية في مجلس الأمن والمساهمة في ملفات إنهاء الاستعمار.

يمثل انضمام الجزائر لمجلس الأمن كعضو غير دائم، في لحظة تاريخية فاصلة، اختباراً حقيقياً لمدى تأثير الدبلوماسية المبدئية في مواجهة حسابات القوة والمصالح الجيوسياسية. فبين ملفين شائكين، فلسطين التي تعاني من **"حرب إبادة صهيونية"**، وقضية الصحراء الغربية التي تنتظر تصفية الاستعمار منذ عقود، أظهرت الدبلوماسية الجزائرية، بقيادة وزير الدولة أحمد عطاف، صلابة واتساقاً لافتين.

هذا المقال يغوص في تحليل آليات العمل الجزائري داخل أروقة المجلس، مستنداً إلى شهادة السفير الفلسطيني فايز أبو عيطة، الذي أشاد بمساهمة الجزائر في وقف إطلاق النار بغزة، ويربط هذا النجاح باستراتيجية الجزائر الثابتة تجاه إنهاء الاستعمار في الصحراء الغربية.

المحور الأول: الانخراط الجزائري في مجلس الأمن وأثره على ملف فلسطين

لم يكن دخول الجزائر إلى مجلس الأمن مجرد مقعد شكلي، بل كان هدفاً استراتيجياً لترجمة مواقفها التاريخية إلى قرارات أممية. وفي ظل الأزمة غير المسبوقة في غزة، تحولت الدبلوماسية الجزائرية فوراً إلى **"رأس حربة"** فعلي، مستغلة منصبها كصوت للمجموعة العربية والإفريقية.

1. آليات كسر الجمود وتحدي الفيتو

تتمثل قوة الجزائر، كعضو غير دائم (E10)، في قدرتها على تجميع الأصوات والدفع بمسودات قرارات حازمة، مما يضع القوى العظمى أمام خيارين: إما الموافقة، أو تحمل مسؤولية استخدام حق النقض أمام الرأي العام العالمي.

  • **صياغة القرارات و"الجدار الأخلاقي":** ساهمت الجزائر بشكل فعال في صياغة عدد من مشاريع القرارات التي طالبت بوقف فوري لإطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية. هذا الضغط المتواصل أشار إليه السفير الفلسطيني، فايز أبو عيطة، الذي أكد أنه **"أثر بشكل إيجابي على مواقف الدول العظمى لصالح وقف حرب الإبادة في غزة، بما في ذلك على موقف الولايات المتحدة"**.
  • **الضغط بلغة القانون الإنساني:** ركزت الجزائر في مداخلاتها على القانون الدولي الإنساني، وعلى توصيف ما يجري في غزة بـ **"حرب الإبادة"**، وهو توصيف قوي دفع بأطراف دولية أخرى إلى تبني لغة أكثر حدة تجاه الاحتلال، مما قوّض السردية الصهيونية القائمة على الدفاع عن النفس.

2. التنسيق الفلسطيني-الجزائري كنموذج

أكدت السفارة الفلسطينية تثمينها لتصريحات وزير الخارجية الجزائري، السيد أحمد عطاف، بشأن "تأكيد الجزائر على التعامل والتنسيق مع دولة فلسطين عبر القنوات الفلسطينية الرسمية". هذا التنسيق الحصري يرسخ الثقة الفلسطينية بالبوصلة الجزائرية، ويقطع الطريق أمام أي محاولات للالتفاف على التمثيل الفلسطيني الشرعي، مما يجعل من الجزائر شريكاً موثوقاً في أصعب الظروف.

"الدبلوماسية الجزائرية في المجلس الأممي أثرت بشكل إيجابي على مواقف الدول العظمى لصالح وقف حرب الإبادة في غزة، بما في ذلك على موقف الولايات المتحدة."

المحور الثاني: الاتساق المبدئي والقرار 2797: الصحراء الغربية كمرآة لفلسطين

لا يمكن فصل نجاح الجزائر في ملف فلسطين عن ثباتها في ملف الصحراء الغربية، فكلا القضيتين تمثلان امتداداً لقضايا تصفية الاستعمار في السياسة الخارجية الجزائرية. وفي هذا السياق، يبرز التفاعل الجزائري مع القرار **2797 (2025)** الذي يجدد ولاية بعثة **المينورسو (MINURSO)**.

1. تحليل القرار 2797 وموقف الجزائر منه

القرار **2797**، الصادر في أكتوبر 2025، يجدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (**المينورسو**) لمدة **عام واحد**. ورغم أنه قرار روتيني، إلا أن صياغته تثير دوماً خلافاً دبلوماسياً حاداً، حيث يواجه الموقف الجزائري تحدياً كبيراً بسبب ورود عبارات فيه يفسرها البعض على أنها تنحاز لـ **"الحكم الذاتي الحقيقي"** كـ "النتيجة الأكثر جدوى".

  • **دلالة الإبقاء على الولاية:** تصر الجزائر على أن تجديد الولاية يعني الإبقاء على مهمة المينورسو الأساسية، وهي **تنظيم الاستفتاء**، وفقاً للقرار 690.
  • **الحفاظ على حق التعبير:** تدفع الجزائر باتجاه عبارات تؤكد أن أي حل يجب أن يكون **"مقبولاً للطرفين"**، مما يمنع المجلس من فرض حل معين.
  • **التحدي الدبلوماسي:** تلجأ الجزائر غالباً إلى الامتناع عن التصويت على قرارات تجديد المينورسو التي تتضمن لغة قوية لصالح الحكم الذاتي، لتفادي إضفاء شرعية ضمنية على هذا المقترح، مع ضمان استمرار عمل البعثة الأممية لإبقاء القضية على جدول أعمال الأمم المتحدة.

2. دور الجزائر كحاضن ومدافع عن المبدأ

تستخدم الجزائر عضويتها في المجلس للدفاع عن حق تقرير المصير، ليس فقط من منطلق الإخوة، ولكن من منطلق **المسؤولية القانونية والدبلوماسية** كدولة جوار تلتزم بالشرعية الدولية. هذا الموقف يقف بالضد من محاولات فرض **"الأمر الواقع"**، سواء في غزة أو في الصحراء، حيث تصر على أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً أو عبر فرض الإرادة، بل يجب أن يكون سياسياً وفقاً للقرارات الأممية.


المحور الثالث: عقيدة "ثابت، وازن ومتزن": الجذور والامتداد الإفريقي

إن القوة التي استمدتها الدبلوماسية الجزائرية في مجلس الأمن تنبع من ثبات موقفها التاريخي وتجربتها التحررية الخاصة. هذا التماسك هو ما يفسر وصف الموقف الجزائري بأنه **"ثابت، وازن ومتزن"**.

1. الجذور التاريخية والثمن الباهظ

الجزائر، التي ولدت من رحم ثورة تحررية قاسية ضد الاستعمار الفرنسي، ترى في قضايا التحرر امتداداً لـ **هويتها التأسيسية**. هذا الأساس يمنحها مناعة ضد المساومات السياسية، حيث أشار السفير الفلسطيني إلى أن الجزائر "دفعت **ثمناً باهظاً** وواجهت العديد من التحديات جراء التزامها". هذا الثمن يعزز مصداقيتها ويجعلها صوتاً لا يمكن تجاهله.

2. دعم المسار القومي العروبي

أكد السفير الفلسطيني أن بوصلة الجزائر موجهة نحو دعم **"المسار الوطني العروبي والقومي"**. هذا الموقف يضع الجزائر في موقع قيادي يعيد الاعتبار للعمل العربي المشترك القائم على المبادئ بدلاً من المصالح المتغيرة.

تستخدم الجزائر عضويتها في المجلس لتكون صوتاً إفريقياً وعربياً قوياً: فهي تدافع عن الموقف الإفريقي الموحد الذي لا يزال يعترف بالجمهورية الصحراوية، مما يعزز شرعيتها عندما تطالب الأمم المتحدة بتطبيق مرجعيات تصفية الاستعمار.


المحور الرابع: الإرث الاستراتيجي والآفاق المستقبلية

إن النجاحات الدبلوماسية التي حققتها الجزائر في مجلس الأمن، والتي توجت بالاعتراف الفلسطيني، ليست مجرد انتصارات ظرفية؛ بل هي تأكيد على دورها الاستراتيجي كقوة إقليمية صاعدة لا تقبل المساومة على المبادئ الأساسية.

1. الجدار القوي والحصن المنيع

إن وصف الجزائر بـ **"الجدار القوي والحصن المنيع"** للشعب الفلسطيني، يمثل اعترافاً بأن القيادة الفلسطينية ترى في الجزائر حليفاً لا يتزعزع، يمد القضية بالدعم السياسي والقانوني الذي يحميها من المؤامرات الدولية والتسويات المجحفة. هذا الوصف ينطبق أيضاً على دورها في قضية الصحراء الغربية، حيث تصر على الحفاظ على الإطار القانوني للنزاع كقضية تصفية استعمار.

2. العواقب الجيوسياسية

إن الإصرار الجزائري على المبادئ في مجلس الأمن له عواقب جيوسياسية عميقة: ترفض الجزائر أن يتم إملاء الحلول عليها. هذا يجعلها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستقبلية، ويعزز استقلال قرارها السيادي في التعامل مع القوى الكبرى (روسيا، الصين، والولايات المتحدة).

خلاصة التحليل: الجزائر نجحت في ربط مساري فلسطين والصحراء الغربية تحت مظلة واحدة هي "إنهاء الاستعمار وتطبيق الشرعية الدولية". هذا الاتساق منح دبلوماسيتها المصداقية اللازمة لتحقيق تأثير ملموس، حتى على مواقف الدول ذات حق النقض (الفيتو). بالنسبة للجزائر، فإن إنهاء الاستعمار ليس شعاراً، بل هو برنامج عمل يمتد من تاريخها الثوري إلى طاولات المفاوضات الأممية.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق